فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 249

المبحث الثالث: نصوص واستنتاجات من كلام ابن الجوزي:

هذه التحريرات المتينة التي وافق فيها ابن الجوزي ـــ رحمه الله تعالى ــ علماء السنة والجماعة؛ هي قواعد عقدية من كتاب"صيد الخاطر"وإلا فله تحريرات أخرى رقمها في بعض مصنفاته، كقوله:"أيها السامع لما جاء من أحاديث الصفات والآثار المشكلات، سلِّم الأمور إلى باريها، واترك تأويلها إن كنت تاليها وقاريها" (1) . وكقوله:"لا ينبغي للواعظ أن يتكلم في الأصول، إلا أن يقول: القرآن كلام لله غير مخلوق، وأخبار الصفات تُمِّر كما جاءت" (2) وقوله أيضًا:"جادة التسليم سليمة، وادي النقل بلا نقع، أنزل عن علو غلو التشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعطيل، فالوادي بين جبلين، المشبه متلوث بقرب التجسيم، والمعطل بخس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالِص هو التنزيه" (3) . وغيرها مما هو مبثوث في مصَّنفاته. لكن المتأمل لمعتقد ابن الجوزي في باب الأسماء والصفات يلحظ أن أبا الفرج لم يَثْبُتْ على إثبات الأسماء والصفات كما لم يثبت على نفيها، بل كان يميل تارة إلى الإثبات، وتارة إلى النفي.

ولهذا قال"أبو العباس أحمد بن تيمية"- رحمه الله تعالى:"إن أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات، بل له كلام في الإثبات نظمًا ونثرًا, ما أثبت به كثيرًا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنَّف. فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس، يثبتون تارة وينفون أخرى في مواضع كثيرة من الصفات، كما هو حال أبي الوفاء ابن عقيل وأبي حامد الغزالي" (4) . وهذا الحكم الذي أصدره شيخ الإسلام ابن تيمية - برَّد الله مضجعه - هو عين العدل والصواب، وهو حكم إمامٍ قلَّب جميع مصنَّفات ابن الجوزي فوقف على بحوثها وآرائها ومسائلها.

وقد وجدت أثناء دراستي لكتاب"صيد الخاطر"صحة ما تبنَّاه ابن تيمية في الحكم على معتقد ابن الجوزي وهو القول الوسط المطابق لحقيقة آراء ابن الجوزي واعتقاده. فليس من الحكمة ولا من الإنصاف أن يقال إن ابن الجوزي كان جهميًا، كما هو رأي بعض المعاصرين. وليس من العدل أن يقال إن ابن الجوزي كان من أئمة أهل السنة والجماعة!!.

ولعلّ تذبذب أبي الفرج في باب المعتقد واضطرابه يعودُ إلى ثلاثة أسباب:

الأوّل: تأثُّره ببعض آراء المذاهب العقديَّة المنحرفة عن جادّة السلف.

الثاني: عدم رسوخه في باب الاعتقاد.

الثالث: اعتماده على كتبه ومحفوظاته دون الرجوعِ إلى العلماء المحقِّقين.

(1) ابن الجوزي:"بستان الواعظين": (ص/ 111) .

(2) ابن الجوزي:"القصاص والمذكرين": (ص/367) .

(3) ابن الجوزي:"المدهش": (ص/ 137) .

(4) ابن تيمية:"مجموع الفتاوى": (4/ 169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت