وقد وجدت خمسة نصوص مهمةٍ في ثنايا كتاب"صيد الخاطر"تؤكِّد ما ذهبتُ إليه من أسباب لاضطراب معتقده وتذبذب مذهبه.
النصّ الأوّل:"عجبتُ من أقوام يَّدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه، بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلو أنهم أمُّروها كما جاءت؛ سلموا، لأنَّ من أمَّر ما جاء ومَّر من غير اعتراض ولا تعرض، فما قال شيئًا، ولا له ولا عليه .. فكذلك الظاهرية الذين لم يسلِّموا بالتسليم، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزِدِ، لم ألُمْهُ، وهذه طريقة السلف. (1) "
النصّ الثاني:"ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البَر، صنَّف كتاب"التمهيد"، فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا، فقال: هذا يدلُّ على أن الله تعالى على العرش، لأنه لولا ذلك، لما كان لقوله:"ينزل"معنىً. وهذا كلام جاهل بمعرفة الله عز وجّل، لأن هذا استسلف من حِسِّه مايعرفه من نزول الأجسام، فقاس صفة الحق عليه". (2)
النصّ الثالث:"كان ابن عقيل يقول: الأصلح لاعتقاد العوامّ ظواهر الآي والسنن لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك من قلوبهم، زالت السياسات والحشمة، وتهافت العوامّ في الشبهة أحبّ إليَّ من إغراقهم في التنزيه، لأن التشبيه بغمسهم في الإثبات، فيطمعون ويخافون شيئا قد أنسوا إلى ما يخاف مثله ويرجى،"
والتنزيه يرمي بهم إلى النفي، ولا طمع ولا مخافة من النفي. ومن تدبر الشريعة؛ رآها غامسة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ التي لا يعطي ظاهرها سواه، كقول الأعرابي: أو يضحك ربنا؟ قال:"نعم" (3) ؛ فلم يكفهِّر من هذا القول" (4) ."
النص الرابع:"إن الله سبحانه وتعالى نصب أعلامًا تأنس بها النفوس وتطمئن إليها، كالكعبة - وسماها بيته -، والعرش - وذكر استواءه عليه - وذكر من صفاته اليد والسمع والبصر والعين، وينزل إلى السماء الدنيا ويضحك وكل هذا لتأنس النفوس بالعادات وقد جلّ عما تضمنته هذه الصفات من الجوارح" (5) .
النص الخامس:"ودفن لهم أقوام من سلفهم دفائن، ووضعت لهم الملاحدة أحاديث، فلم يعلموا ما يجوز عليه مما لايجوز، فأثبتوا بها صفات جمهور الصحيح منها آتٍ على توسع العرب، فأخذوا هم على الظاهر فكانوا في ضرب المثل كجحا .. ولما تحايلوا صورة عظيمة على العرش، أخذوا يتأولون ما ينافي وجودها"
على العرش: مثل قوله:"ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة ً" (6) ، فقالوا: ليس المراد دنوّ الاقتراب،
وإنما المراد قرب المنزل والحّظ!!.
(1) "صيد الخاطر" (ص/ 77) .
(2) المرجع نفسه: (ص/ 77 - 78) .
(3) أخرجه ابن ماجه: (المقدمة ـــ باب فيما أنكرت الجهيمة - رقم الحديث: 177) . وإسناده ضعيف.
(4) "صيد الخاطر": (ص / 170) .
(5) "صيد الخاطر": (ص247) .
(6) أخرجه البخاري: (كتاب التوحيد ـــ باب قوله تعالى:"ويحذركم الله نفسه"ـــ رقم الحديث: 7405، وأخرجه مسلم:(كتاب الذكر والدعاء - باب الحث على ذكر الله ـــ رقم الحديث: 6805) .