فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 249

وقالوا في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ} (1) :"هو محمول على ظاهرها في مجئٍ الذات. فهم يُحلِّونه عاماُ ويحِّرمونه عامًا. ويسمُّون الإضافات إلى الله تعالى صفات، فإنه قد أضاف إليه النفخ ... والرُوح". (2) فابن الجوزي في هذه النصوص يقول بالتفويض في أسماء الله وصفاته، ويزعم أنه مذهب

السلف، وقد قَّرَّر هذا المذهب الباطل في كتابه"دفع التشبيه بأكفّ التنزيه" (3) . وفي النصّ الثاني قال ابن الجوزي بالقياس لتنزيه الباري سبحانه وتعالى عن مشابهة الأجسام؛ فوقع عفا الله عنه في تعطيل الله تعالى عن صفة النزول التي تليق بجلال الله تعالى. وقد كرَّر هذا المعنى أيضًا في كتابه"دفع التشبيه بأكفّ التنزيه". وفي النص الثالث قلَّد ابن الجوزي شيخه ابن عقيل ـــ وإن كان لم يلتق به - الذي تأَّثر بمصنَّفاته وأقواله.

وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) عقيدة وتقليد ابن الجوزي له في أخطائه فقال:"ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية وينكر على من يسميها صفات ويقول إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه"ذم التشبيه وإثبات التنزيه"وفي كتابه"منهاج الوصول". وتارة يثبت الصفات الخبرية ويردُّ على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات، وتارة يوجب التأويل كما فعله في كتابه"الواضح"وغيره. وتارةً يحِّرمُ التأويل ويذمُّه وينهى عنه كما فعله في كتابه"الانتصار لأصحاب الحديث"، فيوجد في كلامه"

من الكلام الحسن البليغ ماهو معظَّم مشكور، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ماهو مذموم ومدحور." (4) . وقال أيضًا:"وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد وأهل السنة من كثير من المتأخَّرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وصدقة به الحسين وابن الجوزي وأمثالهم" (5) . وقد ردّ الحافظ الذهبي (ت 748 هـ) على شبهة ابن الجوزي التي نقلها عن شيخه ابن عقيل حول اعتقاد ظواهر الصفات والمبالغة في التنزيه فقال:"قد صار الظاهر اليوم ظاهرين"أحدهما حق، والثاني باطل. فالحق أن يقول: إنه سميع، بصير، مريد، متكلم، حي، عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليما، واتخذ إبراهيم خليلًا .. , وأمثال ذلك، فنُيمُّرهُ على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك. والظاهر الآخر ـــ وهو الباطل والضلال ــ: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته فلا عِدل له، ولا ضدّ له،"

ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته. وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي. والله أعلم". (6) "

(1) سورة البقرة: الآية 210.

(2) "صيد الخاطر": (ص / 107) .

(3) طبع بتحقيق الكوثري في المكتبة التوفيقية بالقاهرة، وطبع أيضًا بتحقيق السقاف في دار الإمام النووي بالأردن، وكلا التحقيقين مليئين بغمزِ معتقد أهل السنة والجماعة. وللشيخ سليمان بن ناصر العلوان استدراكات وتعقبات على كتاب ابن الجوزي، صدر بعنوان"إتحاف أهل الفضل والإنصاف"وهو مفيد للغاية.

(4) ابن تيمية:"درء تعارض العقل والنقل"- طبعة جامعة الإمام - الطبعة الأولى - 1415 هـ (8/ 60) .

(5) ابن تيمية:"درء تعارض العقل والنقل": (1/ 270) .

(6) الذهبي:"سير أعلام النبلاء": (19/ 449) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت