وفي النص الرابع يميل ابن الجوزي إلى تجريد صفات الله تعالى عن حقيقتها، فيقع في التعطيل قاصدًا التنزيه، وقد وضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) أنَّ هذا المسلك يوقع في عدة محاذير حيث قال:"إن كثيرًا من الناس يتوهَّمُ في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه؛ فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:"
أحدهما: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطَّله، بقيت النصوص مُعطًّلة عما دلَّت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنُّه السيئ الذي ظنَّه بالله ورسوله، حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل، قد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كليهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته" (1) ."
وفي النصّ الخامس شنَّ ابن الجوزي ـــ عفا الله عنه ــ غَضَبهُ على مثبتي الأسماء والصفات، الآخذين بظاهر نصوصها من غير تحريف ولا تأويل ولا تكييف ولا تعطيل، وهم الذين يؤمنون بحقيقة صفات الله تعالى ويعلمون معانيها، ويُنَزِّهون الباري تعالى عن مشابهته لخلقه، ويسكتون عن تكيِّيف صفات الله سبحانه، ويكلون ذلك لله على ما يليق به سبحانه. وقد نبزهم ابن الجوزي ـــ عفا الله عنه ــ بالغفلة وشبَّههم بـ (جحا) !! (2) ، واستشكل تسمية الإضافات صفات من قبل أهل السنة والجماعة!، وهذه الشبهة تلقَّفها ابن الجوزي عن شيخه ابن عقيل الحنبلي (ت513 هـ) ، وقد ردّ عليها الحافظ الذهبي ... بقوله:"وفي هذا الباب، باب المضافات إلى الله: إضافة خلق وملك، كإضافة البيت والناقة، وهذا قول نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، حتى ابن عقيل وابن الجوزي وأمثالهما إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك، وقالوا: هذه آيات الإضافات لا آيات الصفات، كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسمَّى"نفي التشبيه وإثبات التنزيه"وذكره ابن الجوزي في"منهاج الوصول"وغيره، وهذا قول ابن"
حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات، وإن كانوا من المنتسبين إلى الحديث والسنة" (3) ."
(1) ابن تيمية"مجموع الفتاوى": (3/ 48) .
(2) وهذا من عجلة ابن الجوزي وغضبه مع خصومه، سامحه الله!.
(3) ابن تيمية:"درء تعارض العقل والنقل": (7/ 263) .