فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 249

كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطأ، اعتقادًا منك: أنك تصدع بالحق من غير محاباة، ولا بد من الجريان في ميدان النصح: إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك.

ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغررك كثرة اطلاعك على العلوم،"فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع" (1) ، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحر كَدِر ونهر صاف، فلستَ بأعلم من الرسول، حيث قال الإمام عمر"أتصلي على ابن أَبيّ؟ (2) ؟ أنزل القرآن {وَلا تُصلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهمْ} (3) "ولو كان لا يُنْكَر من قلَّ علمه على من كثر علمه إذًا لتعطَّل الأمر بالمعروف، وصرنا كبني إسرائيل حيث قال تعالى: {كانوُا لاَ يَتَنَاهُونَ عَنْ مُنْكَرِ فَعَلُوهُ} (4) بل ينكر المفضول على الفاضل وينكر الفاجر على الولي، على تقدير معرفة الولي. وإلا فأين العنقاءُ لتُطلب وأين السمندلُ، ليُجلب ـــ إلى أن قال: واعلم أنه قد كثر النكيُر عليك من العلماء والفضلاء، والأخيار في الآفاق بمقالتك الفاسدة في الصفات.

وقد أبانوا وَهاء مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيت النصيحة، فعندك من الأقوال التي لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذُكر عنك: أنك ذكرتَ في الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا زعمتَ أنه مواعظ، (5) وهو تشقيق وتفهيق، وتكلُّف بشع، خلا أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلام السلف الصالح لا يخالف سنة، فعمدتَ وجعلتها مناظرة معهم. فمن أذن لك في ذلك؟ وهم مستغفرون للذين آمنوا، ولا يستكبرون عن عبادة الله. وقد قرن شهادته بشهادتهم قبل أولي العلم. وما علينا كان الآدمي أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى. فشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يطفيها؟ وفي الغيبة ما فيها، مع كلام

غَثّ. أليس منا فلان؟ ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء. من فعل هذا من السلف قبلك؟ ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادَّعى الربوبية؟ فعمِّن أخذتَ هذه الأقوال المحدثة، والعبارات المزوَّقة، التي لا طائل تحتها وقد شغلتَ بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع.، أحدُهم قد أُنسى القرآن وهو يعيد فضل الملائكة ومناظرتهم، ويتكلم به في الآفاق. فأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة؟.

ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى، وكأنها صَدَرَتْ لا من صدرٍ سكنَ فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلبَُ ملئ بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات النفوس البهرجية الزيوف. وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقَّوها وما فهموا. وحاشاهم من ذلك. بل كفوا عن الثرثرة والتشُّدق، لا عجزًا ـــ بحمد الله ـــ عن الجدال والخصام، ولا جهلًا بطرق الكلام. وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية، لا عن ... جهلٍ وعماية.

(1) أخرجه البخاري: (كتاب العلم - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"رُب مبلَّغ أوعى من سامع"- رقم الحديث: 67) ، وأخرجه مسلم: (كتاب القسامة - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال - رقم الحديث: 29) .

(2) أخرجه البخاري: (كتاب التفسير - باب"ولا تصل على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره - رقم الحديث: 4672) وأخرجه مسلم: (( كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عمر رضِي الله عنه - رقم الحديث: 2400) ."

(3) سورة التوبة: الآية 84.

(4) سورة المائدة: الآية 79.

(5) يشير العلثي إلى مسألة تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وقد عقد لها ابن الجوزي فصلًا في"صيد الخاطر": ... (ص /67 - 69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت