فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 249

والعجب ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام. ثم يُقِدُم على تفسير ما لم يره أولًا، ويقول: إذا قلنا كذا أدَّى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده. فهذا الذي نهيتَ عنه؟! وكيف تنقضُ عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ فلا تشمت بنا المبتدعة ...

فيقولون: تنسبوننا إلى البدع وأنتم أكثر بدعًا منا، أفلا تنظرون إلى قول من اعتقدتم سلامة عقده، وتثبتون معرفته وفضله؟ كيف أقول مالم يقل؟ فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين في آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم؟ هذا من العجب العجيب. ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق. لكان كاذبًا في إخباره. فكيف تصفون الله سبحانه بشيء ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التي رضيها لنفسه، وأخبر بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنقل الثقات الأثبات، بيَحْتملُ، ويحتمل. ثم لك في الكتاب الذي أسميته"الكشف لمشكل الصحيحين" (1) مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن"الخطابي"وغيره من المتأخرين، أطلَّع هؤلاء على الغيب؟ وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد في هذا، ثم ذكره فلان، ذكره"ابن عقيل"، فنريد الدليل من الذَّاكرِ أيضًا، فهو مجرَّد دعوى، وليس الكلام في الله وصفاته بالهيِّن لُيلْقى إلى مجاري الظنون ـــ إلى أن قال:

إذا أردت: كان ابنُ عقيلٍ العالمِ، وإذا أردتَ: صار لا يفهُم، أوهيت مقالته لما أردت. ثم قال:

وذكرت الكلام المحدث على الحديث: ثم قلت والذي يقع لي. فبهذا تقْدُمُ على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذي يقع لي. تتكلمون في الله عز وجل بواقعاتكم تخبرون عن صفاته؟ ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة تحكمًا من غير دليل (2) . وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيَّره الراوي فلا ينبغي بالرواة العدولِ: أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم. وأهل البدع إذًا كلما رويتم حديثًا ينفُرُون منه، يقولون: يحتمل أنه من تغيِّير بعض الرواة.

فإذا كان المذكور في الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم في هذا يحتمل أنه من رأي

بعض الغواة!!، وتقول: قد انزعج الخطَّابي لهذه الألفاظ. فما الذي أزعجه دون غيره؟ ونراك تبني شيئًا ثم تنقضه، وتقول: قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا أحمد ــ رضي الله عنه ـــ ومذهبه معروف في السكوت عن مثل هذا، ولا يفسِّره، بل صحَّح الحديث، ومنع من تأويله.

وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما في عَيبته من العيب، وذمَّ مقالتك وأبطلها. وقد سمعنا عنك ذلك من أعيان أصحابك المحبوبين عندك، الذين مدحتهم بالعلم، ولا غرض لهم فيك، بل أدَّوا النصيحة إلى عباد الله، ولك القول وضدَّه منصوران. وكل ذلك بناء على الواقعات والخواطر.

وتدَّعى أن الأصحاب خلطوا في الصفات، فقد قُبَحت أكثر منهم، وما وسعتك السنة. فاتق الله سبحانه. ولا تتكلم فيه برأيك فهذا خبر غيب، لا يُسْمع إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربًا للأحاديث الصحيحة. والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام. ثم لك قصيدة مسموعة عليك في سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا

(1) وقد طبع قريبًا بتحقيق د / علي حسين البواب، بدار الوطن بالرياض. سنة 1418ه.

(2) تنظر هذه المسألة في آخر الفصل الثالث في مبحث (المخالفات الشرعية في صيد الخاطر) من هذه الرسالة (ص: ... )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت