بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسمع منك منها:
ولو رأيت النار هَبَّت، فعدت ... تحرق أهل البغي والعناد
وكلما ألقى فيها حطمت ... وأهلكته، وهي في ازدياد
فيضع الجبار فيها قدما ... جلت عن التشبيه بالأجساد
فتنزوي من هيبته، وتمتلي ... فلو سمعت صوتها ينادى
حسبي حسبي، قد كفاني ما أرى ... من هيبة أذهبت اشتداد
فاحذر مقال مبتدع في قوله ... يروم تأويلا بكل وادي (1) .
فكيف هذه الأقوال: وما معناها؟ فإنا نخاف أن تحدث لنا قولا ثالثًا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا. لقد آذيت
عباد الله وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب، وابن عقيل سامحه الله، قد حكى عنه: أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام - عمرها الله بالإسلام والسنة - فهو برئ - على هذا التقدير - مما يوجد بخطه، أو ينسب إليه، من التأويلات، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة (2) .
وأنا وأفدة الناس والعلماء والحفَّاظ إليك، فإما أن تنتهي عن هذه المقالات، وتتوب التوبة النصوح، كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيَّروا ذلك في البلاد وبيَّنوا وجه الأقوال الغَثَّةِ، وهذا أمر تُشُوِر فيه، وقُضي بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدَّم على التعديل، والله على ما نقول وكيل، وقد أعذر من أنذر.
وإذا تأوَّلت الصفات على اللغة، وسَّوغته لنفسك (3) ، وأبيتَ النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدَّس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبًا، إنْ مُكنتَ من ذلك، ومازال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت ولو ضُربوا بالسيوف، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنِّع، ولا كذبِ كاذبٍ، ولهم من الاسم العذب الهني، وتركهم الدنيا وإعراضهم عنها اشتغالًا بالآخرة: ما هو معلوم معروف.
ولقد سَّودتَ وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك، كأنك جبَّار من الجبابرة، ولا كرامة لك ولا نُعْمى، ولا نُمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأي ما استدبر: لم يحك عنك كلام في السهل، ولا في الجبل، ولكن قدَّر الله، وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله ورسوله، قال الله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (4) ولم يقل: إلى ابن الجوزي. وترى كل من أنكر عليك نسبته إلى الجهل، ففضل الله أُوتيته وحدك؟!.
(1) تسمى هذه القصيدة"الدالية في السنة"وهي مخطوطة في ثلاث ورقات - توجد صورة منها في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية برقم (1702/ 8) عن جامعة"برنستون"بأمريكا. وهي في كثير من أبياتها - في الجملة - تطابق معتقد أهل السنة والجماعة.
(2) تحدث ابن الجوزي عن توبة"ابن عقيل"في"المنتظم": (16/ 143 - 144) .
(3) ابن الجوزي سَّوغ كثيرًا من التأويل لنصوص الصفات في بعض كتبه، ولاسيما كتابه"دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه"... وهذا الكتاب نقض فيه ابن الجوزي ما قعَّده في مواضع من كتبه وافق فيها معتقد أهل السنة والجماعة!!.
(4) سورة النساء: الآية 59.