و قد ذكرتُ في أول هذه الرسالة المباركة أن ابن الجوزي يسوق خواطره في"صيده"على صيغ ست:
الأولى: أن يستفتح الخاطرة بتأمل , كأن يقول: تأملت , خطر لي , تفكرت.
الثانية: أن يستفتح الخاطرة بتجربة مرت به أو عاش أحداثها.
الثالثة: أن يستفتح الخاطرة بنصيحة أو تذكير أو غرس فضيلة.
الرابعة: أن يستفتح الخاطرة بسرد حكاية سمعها أو بلغته.
الخامسة: أن يستفتح الخاطرة بتعجب أو صيغة جزم و نفي.
السادسة: أن يستفتح الخاطرة بتصحيح خطأ أو تفنيد شبهة.
لقد سمّى ابن الجوزي مذكراته التي جمعها من خواطره و سوانحه و يومياته بـ"صيد الخاطر"وهي تجارب عالم سلخ ما يزيد على نصف قرن من عمره في التدريس و البحث و التصنيف.
و الصيد هو الاصطياد , و المراد به الأخذ بالحباله , أو الإيقاع في الشرك. و كل وحش صيد , صيد أو
لم يصد , حكاه ابن الإعرابي , قال ابن سيده: و هذا قول شاذ. و قد يقع"الصيد"على"المصيد"نفسه
تسميته بالمصدر كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)} (1) , ولا يقال للشيء صيد إلا ما كان متمنعاَ حلالاَ , و لا مالك له. (2)
و الخاطر: ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر. و قال ابن سيده: الخاطر: الهاجس.
جمعه: الخواطر. قال شيخنا: فهما مترادفان , و فرق بينهما و بين حديث النفس الفقهاء والمحدثون و أهل الأصول , كما فرقوا بين الهم و العزم, و جعلوا المؤاخذة في الأخير دون الأربعة الأول. وقال الزمخشري: الخواطر ما يتحرك بالقلب من رأي أو معنى , وعدّه من المجاز. (3)
(1) سورة المائدة: الآية 95.
(2) الزبيدي:"تاج العروس"- دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى - 1407 هـ: (3/ 261) .
(3) المرجع نفسه: (11/ 194) .