فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 249

والفرق بين"الخاطر"و"النظر": أن الخاطر مرور معنى بالقلب بمنزلة خطاب مخاطب يحدث بضروب الأحاديث. والخواطر تنقسم بحسب المعاني , إذ كل معنى فله خاطر يختصه, يخالف جنس ما يختص غيره , ومن كمال العقل تصرف القلب بالخواطر, ولا يصح التكليف إلا مع ذلك , وعند أبي علي أن الخاطر جنس من الأعراض لا يوجد إلا في قلب حيوان , وأنه شيئ بين الفكر و الذكر, لأن الذكر علم والفكر جنس من النظر الذي هو سبب العلم , والخواطر تنبه على الأشياء وتكون ابتداءً ولا تولد علمًا, ومنزلة الخاطر في ذلك منزلة التخّيل في أنه بين العلم و الظن , لأنه تمثل شي من غير حقيقة , وعند البلخي رحمه الله أنه كلام يحدثه الله تعالى في سمع الإنسان , أو يحدثه الملك أو الشيطان فإذا كان من الشيطان سمي وسواسًا. وإلى هذا ذهب أبو هاشم رحمه الله؛ والذي يدل على أن الخاطر ليس بكلام , ما يدل من أفعال الأخرس على خطور الخواطر بقلبه وهو لا يعرف الكلام أصلًا ولا يعرف معانيه؛ وعن إبراهيم أنه لابد من خاطرين أحدهما يأمر بالإقدام والآخر بالكفّ ليصح الاختيار, وعن ابن الراوندي أن خاطر المعصية من الله تعالى , وأن ذلك كالعقل والشهوة لأن الشهوة ميل الطبع إلى المشتهي , والعقل التمييز بين الحسن و القبيح. (1)

و قد نص ابن الجوزي على تسمية كتابه بـ"صيد الخاطر"في صدر كتابه حين قال:"ورأيت في نفسي أنني كلما فتحت بصر التفكر, سنح له من عجائب الغيب ما لم يكن في حساب, فانثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه , فجعلت هذا الكتاب قيدًا لصيد الخاطر". (2)

و نص على ذلك أيضا في خاتمة كتابه حين قال:"بحمد الله تعالى قد نجز ما توخّاه الفكر الفاتر من تقييد ما جمعه القلم من صيد الخاطر" (3) و هذان النصان من أثبت الأدلة على صحة نسبة كتاب صيد الخاطر إلى ابن الجوزي. و في ثنايا الكتاب دلائل متينة تؤكد صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه و أهمها دلالتان:

(1) أبو هلال العسكري:"الفروق"- دار جرس برس - الطبعة الأولى - 1409هـ: (ص / 82) .

(2) "صيد الخاطر" (الخاطرة رقم: 74) .

(3) المرجع نفسه: (الخاطرة رقم: 372) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت