فهرس الكتاب
۞ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي القُرْآنِ: ﴿اسْتَوَىٰ﴾. يَعْنِي: ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَاسْتَقَرَّ⁽١⁾.
--------------------
(١) [فَائِدَةٌ] : قَالَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِنَّ مِمَّا لَمْ يُؤْلَفِ استِعمَالُهُ فِي ذَلِكَ المَعنَى -الاستِوَاءِ- فِي لُغَةِ المُخَاطَبِ، وَإِن أُلِفَ فِي الاصطِلَاحِ الحَادِثِ، وَهَذَا مَوضِعٌ زَلَّت فِيهِ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، حَيثُ تَأَوَّلُوا كَثِيرًا مِن أَلْفَاظِ النُّصُوصِ بِمَا لَم يُؤْلَفِ استِعمَالُ اللَّفْظِ لَهُ فِي لُغَةِ العَرَبِ البَتَّةَ، وَإِن كَانَ مَعهُودًا فِي اصطِلَاحِ المُتَأَخِّرِينَ، وَهَذَا مِمَّا يَنبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ، فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِهِ مِنَ الكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ مَا حَصَلَ ... إِلَى أَن قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ۞ وَتَأْوِيلِ قَولِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾: بِأَنَّ المَعنَى: (أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ العَرشِ) ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُعرَفُ فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَلَا غَيرِهَا مِنَ الأُمَمِ، لَا يُقَالُ لِمَن أَقْبَلَ عَلَى الرَّحلِ: (استَوَى عَلَيهِ) ، وَلَا لِمَن أَقْبَلَ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الأَعمَالِ، مِن قِرَاءَةٍ، أَو دِرَاسَةٍ، أَو كِتَابَةٍ، أَو صِنَاعَةٍ: (قَدِ استَوَى عَلَيهَا) . ۞ وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَاطِلٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ .... إِلَى أَن قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ۞ وَمِثْلُ هَذَا: قَولُ الجَهمِيِّ المُلَبِّسِ: إِذَا قَالَ لَكَ المُشَبِّهُ -يَعنِي: السُّنِّيَّ-: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾. فَقُل لَهُ: العَرشُ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، وَالاستِوَاءُ لَهُ خَمْسُ مَعَانٍ، فَأَيُّ ذَلِكَ المُرَادُ؟ فَإِنَّ المُشَبِّهَ يَتَحَيَّرُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ! ۞ فَيُقَالُ لِهَذَا الجَاهِلِ: وَيْلَكَ! مَا ذَنبُ المُوَحِّدِ الَّذِي سَمَّيتَهُ أَنتَ، وَأَصحَابُكَ: (مُشَبِّهًا) ، وَقَد قَالَ لَكَ نَفْسَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى؟! -فَوَاللَّهِ- لَو كَانَ مُشَبِّهًا، كَمَا تَزْعُمُ؛ لَكَانَ أَولَى بِاللَّهِ، وَرَسُولِهِ مِنكَ؛ لِأَنَّهُ لَم يَتَعَدَّ النَّصَّ. ۞ وَأَمَّا قَولُكَ: (العَرشُ لَهُ سَبْعَةُ مَعَانٍ) ، أَو نَحْوُهَا، وَلِـ (الاستِوَاءِ خَمْسُ مَعَانٍ) ، فَتَلبِيسٌ مِنكَ عَلَى الجُهَّالِ، وَكَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَيسَ لِعَرشِ الرَّحْمَنِ الَّذِي استَوَى عَلَيهِ إِلَّا مَعنًى وَاحِدًا، وَإِن كَانَ لِلعَرشِ مِن حَيثُ الجُملَةِ عِدَّةُ مَعَانٍ، فَاللَّامُ لِلعَهدِ، وَقَد صَارَ بِهَا العَرشُ مُعَيَّنًا، وَهُوَ عَرشُ الرَّبِّ تَعَالَى، الَّذِي هُوَ سَرِيرُ مُلكِهِ، الَّذِي اتَّفَقَت عَلَيهِ الرُّسُلُ، وَأَقَرَّت بِهِ الأُمَمُ، إِلَّا مَن نَابَذَ الرُّسُلَ. ۞ وَقَولُكَ: (الاستِوَاءُ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ) ، تَلْبِيسٌ آخَرُ مِنكَ، فَإِنَّ الاستِوَاءَ المُعَدَّى بِأَدَاةِ: (عَلَى) ، لَيسَ لَهُ إِلَّا مَعنًى وَاحِدًا؛ وَأَمَّا الاستِوَاءُ المُطلَقُ، فَلَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ، فَإِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: (استَوَى كَذَا) : انتَهَى،