فهرس الكتاب
۞ وَقَالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ: اجتَمَعَ هَؤُلَاءِ الأَربَعَةُ: بُكَيْرُ الطَّائِيُّ، وَأَبُو البَخْتَرِيِّ، وَمَيْسَرَةُ، وَالضَّحَّاكُ المَشْرِقِيُّ، فِي أَيَّامِ الجَمَاجِمِ، عَلَى أَنَّ الإِرْجَاءَ بِدْعَةٌ، وَالشَّهَادَةَ، وَالوِلَايَةَ بِدْعَةٌ، وَالبَرَاءَةَ بِدْعَةٌ⁽١⁾.
--------------------
وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَرِهُوا ذَلِكَ، لَهُم نَظَرٌ دَقِيقٌ جِدًّا، وَهُوَ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ المُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الجَنَّةَ نَفْسَهَا، لَم يَحْسُن إِضَافَةُ المُسْتَقَرِّ إِلَيْهَا، وَلِهَذَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: (اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ جَنَّتِكَ) ، فَإِنَّ الجَنَّةَ نَفْسَهَا هِيَ دَارُ القَرَارِ، وَهِيَ المُسْتَقَرُّ نَفْسُهُ، كَمَا قَالَ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ٦٦﴾، فَكَيْفَ يُضَافُ المُسْتَقَرُّ إِلَيْهَا؟ وَالمُسْتَقَرُّ هُوَ: المَكَانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الشَّيْءُ؟ وَلَا يَصِحُّ أَن يَطْلُبَ الدَّاعِي الجَمْعَ فِي المَكَانِ الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ الجَنَّةُ، فَتَأَمَّلْهُ.
۞ وَلِهَذَا، قَالَ: (مُسْتَقَرُّ رَحْمَتِهِ: ذَاتُهُ) ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا لَا يَمْتَنِعُ، حَتَّى وَلَوْ قَالَ صَرِيحًا: (اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ جَنَّتِكَ) ، لَم يَمْتَنِع، وَذَلِكَ أَنَّ المُسْتَقَرَّ أَعَمُّ مِن أَن يَكُونَ رَحْمَةً، أَوْ عَذَابًا، فَإِذَا أُضِيفَ إِلَى أَحَدِ أَنْوَاعِهِ، أُضِيفَ إِلَى مَا يُبَيِّنُهُ، وَيُمَيِّزُهُ مِن غَيْرِهِ؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: فِي المُسْتَقَرِّ الَّذِي هُوَ رَحْمَتُكَ، لَا فِي المُسْتَقَرِّ الآخَرِ.
۞ وَنَظِيرُ هَذَا: أَن يُقَالَ: (اجلِس فِي مُسْتَقَرِّ المَسجِدِ) ، أَي: المُسْتَقَرِّ الَّذِي هُوَ المَسجِدُ، وَالإِضَافَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، وَلَا مُسْتَكْرَهَةٍ.
۞ وَ-أَيْضًا-: فَإِنَّ الجَنَّةَ، وَإِن سُمِّيَت: (رَحْمَةً) ، لَم يَمْتَنِع أَن يُسَمَّى مَا فِيهَا مِن أَنْوَاعِ النَّعِيمِ: (رَحْمَةً) ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُسْتَقَرَّ ذَلِكَ النَّعِيمِ هُوَ: الجَنَّةُ، فَالدَّاعِي يَطْلُبُ أَن يَجْمَعَهُ اللهُ، وَمَن يُحِبُّ فِي المَكَانِ الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ تِلْكَ الرَّحْمَةُ المَخْلُوقَةُ فِي الجَنَّةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا، فَلَا يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ بِوَجْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
۞ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الدَّاعِي: (يَا حَيُّ؛ يَا قَيُّومُ؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ) ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ هُنَا، صِفَتُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهِيَ مُتَعَلَّقُ الاستِغَاثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِمَخْلُوقٍ. انتهى من "بدائع الفوائد" (ج٢ ص: ٦٧٧-٦٧٨) : [ط: عالم الفوائد] .
(١) هذا أثر صحيح. أخرجه عبدالله بن أحمد في «السُّنَّة» (ج١ برقم: ٧٠٦) : بتحقيقي، وأبو بكر الخلال في «السُّنَّة» (ج٤ برقم: ١٣٦٦) ، والإمام اللالكائي في «شرح السُّنَّة» (ج٥ برقم: ١٥٣٣) : بتحقيقي، وأبو عبدالله ابن