الصفحة 543 من 550

مُستَنِدِينَ إِلَى تَأوِيلٍ فَاسِدٍ، زَجَرَهُم ذَلِكَ إِلَى استِبَاحَةِ دِمَاءِ مُخَالِفِيهِم، وَأَمْوَالِهِم، وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِم بِالكُفْرِ وَالشِّركِ. ۞ وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ المُسلِمِينَ عَلَى: أَنَّ الخَوَارِجَ -مَعَ ضَلَالَتِهِم- فِرْقَةٌ مِن فِرَقِ المُسلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُم، وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِم، وَأَنَّهُم لَا يُكَفَّرُونَ، مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِأَصْلِ الإِسلَامِ. ۞ وَقَالَ عِيَاضٌ: كَادَت هَذِهِ المَسأَلَةُ أَن تَكُونَ أَشَدَّ إِشكَالًا عِندَ المُتَكَلِّمِينَ مِن غَيْرِهَا، حَتَّى سَأَلَ الفَقِيهُ عَبدُالحَقِّ الإِمَامَ أَبَا المَعَالِي [الجُوَيْنِيَّ] عَنهَا، فَاعتَذَرَ: بِأَنَّ إِدخَالَ كَافِرٍ فِي المِلَّةِ، وَإِخرَاجَ مُسلِمٍ عَنهَا، عَظِيمٌ فِي الدِّينِ. ۞ قَالَ: وَقَد تَوَقَّفَ قَبْلَهُ القَاضِي أَبُو بَكرٍ البَاقِلَّانِيُّ، وَقَالَ: لَم يُصَرِّحِ القَوْمُ بِالكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَى الكُفْرِ. ۞ وَقَالَ الغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ «التَّفْرِقَةُ بَينَ الإِيمَانِ، وَالزَّنْدَقَةِ» : وَالَّذِي يَنبَغِي: الاِحتِرَازُ عَنِ التَّكفِيرِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ استِبَاحَةَ دِمَاءِ المُصَلِّينَ، المُقِرِّينَ بِالتَّوحِيدِ، خَطَأً، وَالخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الحَيَاةِ، أَهْوَنُ مِنَ الخَطَإِ فِي سَفْكِ دَمِ لِمُسلِمٍ وَاحِدٍ. ۞ وَمِمَّا احتَجَّ بِهِ مَن لَم يُكَفِّرْهُم: قَوْلُهُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ البَابِ، بَعْدَ وَصفِهِم بِالمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ: «كَمُرُوقِ السَّهْمِ، فَيَنظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ» . إِلَى أَن قَالَ: «فَيَتَمَارَى فِي الفُوقَةِ: هَل عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ؟» . ۞ قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ جُمهُورُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الخَوَارِجَ غَيْرُ خَارِجِينَ عَن جُمْلَةِ المُسلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ: «يَتَمَارَى فِي الفُوقِ» . لِأَنَّ التَّمَارِيَ مِنَ الشَّكِّ، وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ، لَم يُقْتَلَع عَلَيْهِم بِالخُرُوجِ مِنَ الإِسلَامِ؛ لِأَنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الإِسلَامِ بِيَقِينٍ، لَم يَخْرُج مِنهُ إِلَّا بِيَقِينٍ. ۞ قَالَ: وَقَد سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَن أَهلِ النَّهْرِ: هَل كَفَرُوا؟ فَقَالَ: مِنَ الكُفْرِ فَرُّوا. ۞ قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: وَهَذَا إِن ثَبَتَ، عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَم يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى مُعتَقَدِهِم الَّذِي أَوجَبَ تَكفِيرَهُم عِندَ مَن كَفَّرَهُم. ۞ وَفِي احتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ: (يَتَمَارَى فِي الفُوقِ) ، نَظَرٌ؛ فَإِنَّ فِي بَعضِ طُرُقِ الحَدِيثِ المَذكُورِ: «لَم يَعْلَق مِنهُ بِشَيْءٍ». وَفِي بَعضِهَا: «سَبَقَ الفَرْثَ، وَالدَّمَ» . وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ تَرَدَّدَ: هَل فِي الفُوقِ شَيْءٌ؟ أَو لَا، ثُمَّ تَحَقَّقَ: أَنَّهُ لَم يَعْلَق بِالسَّهْمِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنهُ مِنَ الرَّيِّ بِشَيْءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت