كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَدَةً === وَمَوْتُ وَالِدِهَا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَا
هَذَا الذي في طَرِيقِي كُنْتُ أَسْمَعُهُ === مِنْهَا فَأَثَّرَ في نَفْسِي وَأَشْجَاهَا
حَتَّى دَنَوْتُ إلَيْهَا وَهْيَ مَاشِيَةٌ === وَأَدْمُعِي أَوْسَعَتْ في الخَدِّ مَجْرَاهَا
وَقُلْتُ: يَا أُخْتُ مَهْلًا إِنَّنِي رَجُلٌ === أُشَارِكُ النَّاسَ طُرًَّا في بَلاَيَاهَا
سَمِعْتُ يَا أُخْتُ شَكْوَى تَهْمِسِينَ بِهَا === في قَالَةٍ أَوْجَعَتْ قَلْبِي بِفَحْوَاهَا
هَلْ تَسْمَحُ الأُخْتُ لِي أَنِّي أُشَاطِرُهَا === مَا في يَدِي الآنَ أَسْتَرْضِي بِهِ اللهَ
ثُمَّ اجْتَذَبْتُ لَهَا مِنْ جَيْبِ مِلْحَفَتِي === دَرَاهِمًَا كُنْتُ أَسْتَبْقِي بَقَايَاهَا
وَقُلْتُ يَا أُخْتُ أَرْجُو مِنْكِ تَكْرِمَتِي === بِأَخْذِهَا دُونَ مَا مَنٍّ تَغَشَّاهَا
فَأَرْسَلَتْ نَظْرَةً رَعْشَاءَ رَاجِفَةً === تَرْمِي السِّهَامَ وَقَلْبِي مِنْ رَمَايَاهَا
وَأَخْرَجَتْ زَفَرَاتٍ مِنْ جَوَانِحِهَا === كَالنَّارِ تَصْعَدُ مِنْ أَعْمَاقِ أَحْشَاهَا
وَأَجْهَشَتْ ثُمَّ قَالَتْ وَهْيَ بَاكِيَةٌ === وَاهًَا لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَا
لَوْ عَمَّ في النَّاسِ حِسٌّ مِثْلُ حِسِّكَ لِي === مَا تَاهَ في فَلَوَاتِ الفَقْرِ مَنْ تَاهَا
أَوْ كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ === لَمْ تَشْكُ أَرْمَلَةٌ ضَنْكًَا بِدُنْيَاهَا
هَذِي حِكَايَةُ حَالٍ جِئْتُ أَذْكُرُهَا === وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَى الأَحْرَارَ فَحْوَاهَا
أَوْلَى الأَنَامِ بِعَطْفِ النَّاسِ أَرْمَلَةٌ === وَأَشْرَفُ النَّاسِ مَنْ بِالمَالِ وَاسَاهَا
يبدأ الشاعر القصيدة باللقاء، بالفعل (لقي) لقيتها، و مصادفة هذا اللقاء غير المنتظر أو غير المرتقب، و هو يتمنى ألا يحدث هذا اللقاء، حيث جاءت"ما"النافية (ليتني ما كنت ألقاها) ، لكن وقع اللقاء، و واصل الشاعر وصفه لها و رصده لخطواتها قائلًا:
)تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَا (
حيث الخطوب أثقلت من مشيتها، بحالتها الفقيرة التى يرثى لها، مما جعل دموع عينيها يتساقط على خديها، ثم ما نتج عن هذا البكاء المستمر"إحمرت مدامعها - و شحب وجهها - و إصفر كَالوَرْسِ من جوع محياها"و الورس: نبات مبرقش لونه أحمر عليه زغب أصفر.
و في الأبيات الثلاثة التالية يصف الشاعر تأثير موت زوجها، الذي أردى حالتها إلى هذا البؤس.
و لنسمع الموسيقى الداخلية الناتجة عن حسن التقسيم في هذا البيت: الموت أفجعها - و الفقر أوجعها - و الهم أنحلها - و الغم أضناها
المَوْتُ أَفْجَعَهَا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا ===== وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَا
وفي البيتين السابع و الثامن - تأثير الدهر - على المرضعة، و إستمرار تكرار المأساة متمثلًا في تعاقب الليل و النهار،
و مظاهر قسوة الدهر عليها، أن أثوابها بُلِيَتْ على بدنها.
و في الأبيات من التاسع حتى الثاني عشر، عودة مرة أخرى إلي وصف حالة المرضعة"تمشي بأطمارها"
ثوبها البالي، ثم التشبيهان - البرد يلسعها كأنه عقرب - و - غدا جسمها بالبرد مرتجفًا == كالغصن في الريح ...
و يأتي بعد ذلك [تمشي، و تحمل] فعلان متلازمان في وقت واحد، ثم المفعول المطلق"حملًا"
الذى يحدد لنا مكان أو موضع الحمل"على الرأس"، ثم المقابلة بين (اليسرى / اليمنى) كلتا اليدين اللتين تحمل بهما طفلتها الرضيعة، مستسلمة لصروف الدهر، و هي محتضنة طفلتها تضم أعضائها برباط ممزق.
و في الأبيات من الثالث عشر و حتى البيت الواحد و العشرين: مناجاة أو تساؤلات الشاعر لنفسه أثر رؤيته لحالة تلك المرضعة اليتيمة التي تحمل طفلتها الباكية طوال ليلها من الجوع، ما تصنع - لسان الشاعر -،
ما حيلتي - لسان الأم -، ما بالها - لسان الشاعر مرة أخرى، تبكي - لسان الطفلة - و هى اللغة العجمية
غير المفهومة"لغة البكاء".
و في البيتين الثاني و العشرين و الثالث و العشرين: تخيل الشاعر إبنته في هذا الموقف و ما كان سيحدث لها في مواجهة خطوب الدنيا.
و في البيت الرابع و العشرين: بيان لسبب كتابته القصيدة، حيث كان الشاعر مارًا في طريقه، و لقيها و أثَّرت فيه أحوالها.
و في الأبيات من الخامس و العشرين و حتى الثلاثين: رد فعل الشاعر الحقيقي متمثلًا في الأفعال التي قام بها ليساعد المرضعة
و يتيمتها: {دَنوتُ، قلتُ، سمعتُ، إجتذبتُ، ثم .. قلتُ مرة أخرى} ، و كلها أفعال جاءت بناء على ما رآه الشاعر
و راقبه بعينه، من بؤس و مرض أحاط بهذه الأرملة المرضعة.
و في الأبيات من الواحد و الثلاثين حتى الثالث و الثلاثين: رد فعل المرضعة تجاه الشاعر لما أبداه من عطف نحوها متمثلًا شكليًا في: {أرسلت نظرة - أخرجت زفرات - ثم التشبيه"زفرات كالنار تصعد من أعماق أحشاها"- أجهشت باكية} .
ثم رد فعلها قولًا:"وَاهًَا لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَا".
وفي البيتين الرايع و الثلاثين و الخامس و الثلاثين: رد فعل المرضعة قولًا ولكن في قالب تمني {لو عَمَّ} ، لو كان
و صيغة التمني هنا قريبة من صيغة الشرط:
فعل الشرط==== جملة===== جواب الشرط ==== بقية جملة
لو عَمَّ=== في النَّاسِ حِسٌّ مِثْلُ حِسِّكَ ليّ=== مَا تَاهَ=== في فَلَوَاتِ الفَقْرِ مَنْ تَاهَا
أو كَانَ===في النَّاسِ إِنْصَافٌ و مَرْحَمَةٌ=== لَمْ تَشْكُ=== أرملةٌ ضنْكًَا بدُنْيَاهَا
و الملاحظ هنا أن جواب الشرط في البيتين، جاء به الشاعر منفيًا على لسان المرضعة، و ذلك لأن الدنيا تملؤها الشكوى، و الضياع.
وفي البيتين الأخيرين: يطلب الشاعر من أقرانه الأحرار، العطف و المساعدة و المواساة لهذه الأرملة المرضعة.
(يُتْبَعُ)