فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 18773 من 53113

ـ [أبومجاهدالعبيدي] ــــــــ [19 Dec 2009, 08:17 ص] ـ

بيّن الإمام الشنقيطي رحمه الله في كتابه دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب هذه الآية، ذكر الإشكال الذي ورد في هذه المشاركة، وفيما يلي نص كلامه:

(وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، هُوَ بَقَاءُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ لِذِكْرِي تَكْرِيرًا تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ ظَنِّ الْفَائِدَةِ، أَمَّا إِذَا عَلِمَ الْفَائِدَةَ فَلَا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ هُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَسْعَى إِلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.

وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

لِمَا نَافِعٌ يَسْعَى اللَّبِيبُ فَلَا تَكُنْ ... لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ سَاعِيًا

وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلَكِنَّ الْخَفَاءَ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَإِيضَاحُهُ أَنْ يُقَالَ: بِأَيِّ وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ إِفَادَةِ الذِّكْرَى، حَتَّى يُبَاحَ تَرْكُهَا.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَارَةً يَعْلَمُهُ بِإِعْلَامِ اللَّهِ بِهِ، كَمَا وَقَعَ فِي أَبِي لَهَبٍ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى فِيهِ: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ الْآيَةَ.

فَأَبُو لَهَبٍ هَذَا وَامْرَأَتُهُ لَا تَنْفَعُ فِيهِمَا الذِّكْرَى، لِأَنَّ الْقُرْءَانِ نَزَلَ بِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بَعْدَ تَكْرَارِ التَّذْكِيرِ لَهُمَا تَكْرَارًا تَقُومُ عَلَيْهِمَا بِهِ الْحُجَّةُ، فَلَا يَلْزَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَنْ يُذَكِّرَهُمَا بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى.

وَتَارَةً يَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ، بِحَيْثُ يُبْلِغُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَيَأْتِي بِالْمُعْجِزَاتِ الْوَاضِحَةِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ عَالِمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْكُفْرِ عِنَادًا وَلَجَاجًا، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجِبُ تَكْرِيرُ الذِّكْرَى لَهُ دَائِمًا، بَعْدَ أَنْ تُكَرَّرَ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا تَلْزَمُهُ بِهِ الْحُجَّةُ.

وَحَاصِلُ إِيضَاحِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الذِّكْرَى تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ حِكَمٍ:

الْأُولَى: خُرُوجُ فَاعِلِهَا مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِهَا.

الثَّانِيَةُ: رَجَاءُ النَّفْعِ لِمَنْ يُوعَظُ بِهَا، وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الْحِكْمَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَبَيَّنَ الْأَوْلَى مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيَّنَ الثَّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.

الثَّالِثَةُ: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ، وَبَيَّنَهَا تَعَالَى بِقَوْلِهِ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَبِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا الْآيَةَ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرَّرَ الذِّكْرَى حَصَلَتِ الْحِكْمَةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ طَمَعٌ اسْتَمَرَّ عَلَى التَّذْكِيرِ وَإِلَّا لَمْ يُكَلَّفْ بِالدَّوَامِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا بَقَاءَ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى صَرْفِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا، وَأَنَّ مَعْنَاهَا: فَذَكِّرْ مُطْلَقًا إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ، لِأَنَّنَا نَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ كِتَابِ اللَّهِ عَنْ ظَوَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرَةِ مِنْهُ؟ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ لَهُ، وَإِلَى بَقَاءِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا.

جَنَحَ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: أَيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تَنْفَعُ التَّذْكِرَةُ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ الْأَدَبُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ، فَلَا يَضَعُهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تُبَلِّغُهُ عُقُولَهُمْ، إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ: حَدَّثَ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت