فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 538

-في أغلب هذه الآيات - بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة، قال سبحانه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [فاطر: 45] [1] .

ونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: 59] [2] وهذا يفيد - والله أعلم بمراده - أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم أركان الحكمة [3] .

[الحلم من أعظم أركان الحكمة]

ومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة - التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله - تعالى - مدح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله - عز وجل -، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم للأشج: [4] «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» [5] .

وفي رواية «قال الأشج: يا رسول الله، أنا تخلقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال:"بل الله جبلك عليهما"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله» [6] .

وسبب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم ذلك للأشج ما جاء في حديث الوفد أنهم لما

(1) سورة فاطر، الآية 45.

(2) سورة الحج، الآية 59.

(3) انظر: أخلاق القرآن للشرباصي 1/ 185.

(4) المنذر بن عائذ بن المنذر العصري، أشج عبد القيس، كان سيد قومه، رجع بعد إسلامه إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك ومات بها رضي الله عنه. انظر: تهذيب التهذيب 10/ 267.

(5) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله 1/ 48.

(6) أبو داود، في الأدب، باب في قبلة الجسد 4/ 357، وأحمد 4، 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت