وليس من خلةٍ هي للغني مدحٌ إلا هي للفقيرٍ عيبٌ، فإن كانَ شجاعًا سمي أهوج، وإن كانَ جوادًا سمي مفسدًا، وإن كان حليمًا سمي ضعيفًا، وإن كان وقورًا سمي مفسدًا، وإن كان حليمًا سمي ضعيفًا، وإن كان وقورًا سمي بليدًا، وإن كان لسنًا سمي مهذارًا، وإن كان صموتًا سمي عييًا.
وكان يقالُ: من ابتلي بمرضٍ في جسدهِ لا يفارقهُ، أو بفراق الأحبةِ والأخوان، أو بالغربةِ حيثُ لا يعرفُ مبيتًا ولا مقيلًا ولا يرجو إيابًا، أو بفاقةٍ تضطرهُ إلى المسألة: فالحياةُ لهُ موتٌ، والموتُ له راحةٌ.
وجدنا البلايا في الدنيا إنما يسوقُها إلى أهلها الحرصُ والشرهُ. ولا يزالُ صاحبُ الدنيا يتقلبُ في بليةٍ وتعبٍ، لأنه لا يزالُ بخلةِ الحرصِ والشرهِ.
وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسبَ كحسنِ الخلقِ، ولا غنى كالرضى. وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييرهِ. وأفضلُ البر الرحمةُ، ورأسُ المودةِ الاسترسالُ، ورأسُ العقلِ المعرفةُ بما يكونُ وما لا يكونُ، وطيبُ النفسِ حسنُ الانصرافِ عما لا سبيل إليه. وليس من الدنيا سرورٌ يعدلُ صحبةَ الإخوانِ، ولا فيها غم يعدلُ غم فقدهم.
لا يتم حسنُ الكلامِ إلى بحسنِ العملِ، كالمريض الذي قد علمَ دواء نفسهِ، فإذا هو لم يتداو به لم يغنهِ علمهُ.
الرجلُ ذو المروءة قد يكرمُ على غير مالٍ، كالأسد الذي يهابُ وإن كان عقيرًا.
والرجلُ الذي لا مروءةً لهُ يهانُ وإن كثر مالهُ، كالكلبِ الذي يهونُ على الناسِ وإن هو طوق وخلخلَ.
ليحسنُ تعاهدكَ نفسكَ بما تكونُ به للخيرِ أهلًا. فإنك إذا فعلتَ ذلك، أتاك الخيرُ يطلبكَ، كما يطلبُ الماءُ السيل إلى الحدورة.
وقيل في أشياء ليس لها ثباتٌ ولا بقاءٌ: ظل الغمامِ، وخلة الأشرارِ، وعشق النساء، والنبأ الكاذبُ، والمالُ الكثيرُ.
وليس يفرحُ العاقلُ بالمالِ الكثير، ولا يحزنهُ قلتهُ. ولكن مالهُ عقلهُ وما قدم من صالحِ عملهِ.
إن أولى الناس بفضلِ السرورِ وكرمِ العيشِ وحسنِ الثناء من لا يبرحُ رحله من إخوانهِ وأصدقائه من الصالحين موطوءًا ولا يزال عندهُ منهم زحامٌ، ويسرهم ويسرونهُ من وراء حاجاتهم وأمورهمُ، فإنّ الكريم إذا عثر لم يستقل إلا بالكرامِ، كالفيلِ إذا وحل لم يستخرجهُ غلا الفيلةُ.
لا يرى العاقلُ معروفًا صنعهُ، وإن كان كثيرًا. ولو خاطر بنفسه وعرضها في وجوهِ المعروف، لم ير ذلك عيبًا. بل يعلمُ أنما أخطر الفاني بالباقي، واشترى العظيم بالصغير.
وأغبط الناس عند ذوي العقلِ أكثرهم سائلا منجحًا، ومستجيرًا آمنًا.
لا تعد غنيًا من لم يشارك في مالهِ، ولا تعد نعيمًا ما كان فيه تنغيص وسوءُ ثناء، ولا تعد الغنم غنمًا إذا ساق غرمًا ولا الغرمَ غُرمًا إذا ساقَ غنمًا، ولا تعتد من الحياةِ ما كان في فراقِ الأحبة.
ومن المعونة على تسلية الهمومِ وسكون النفسِ لقاءُ الأخِ أخاهُ، وإفضاءُ كل واحدٍ منهما إلى صاحبهِ ببثةِ.
وإذا فرق بين الأليف وأليفهِ فقد سُلبَ قرارهُ وحُرمَ سرورهُ.
وقلّ ما ترانا نُخلِّفُ عَقَبَةً من البلاء إلا صرنا في أُخرى.
لقد صدق القائل الذي يقول: لا يزال الرجلُ مستمرًا ما لم يعثر، فإذا عثر مرة واحدةً في أرضِ الخبارِ لج بهِ العثارُ، وإن مشى في جدد لأن هذا الإنسان موكلٌ به البلاءُ، فلا يزالُ في تصرفٍ وفي تقلبٍ لا يدومُ له شيءٌ ولا يثبت معهُ، كما لا يدومُ لطالعِ النجومِ طلوعُهُ ولا لآفلها أفولهُ. ولكنها في تقلبٍ وتعاقُبٍ: فلا يزال الطالعُ يكُونُ آفلًا طالعًا.
الأدبُ الكبير
قال عبد الله بن المقفع: إنا وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجسامًا، وأوفر مع أجسامهم أحلامًا، وأشد قوةً، وأحسن بقوتهم للأمور إتقانًا، وأطول أعمارًا، وأشد قوةً، وأحسنَ بقوتهم للأمورِ إتقانًا، وأطول أعمارًا، وأفضل بأعمارهم للأشياء اختبارًا.