الصفحة 3 من 28

وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الأخلاق وفي الآدابِ، فيجمع ذلك كلهُ في صدرهِ أو في كتابٍ، ثم يكثر عرضهُ على نفسه، ويكلفها إصلاحهُ، ويوظف ذلك عليها توظيفًا من إصلاح الخلةِ والخلتينِ والخلالِ في اليومِ أو الجمعةِ أو الشهرِ.

فكلما أصلحَ شيئًا محاهُ، وكلما نظر إلى محوٍ استبشر، وكلما نظر إلى ثابتٍ اكتأب.

وعلى العاقلِ أن يتفقد محاسنَ الناسِ ويحفظها على نفسه، ويتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي.

وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يُصاحبَ ولا يجاورَ من الناس، ما استطاعَ، إلا ذا فضلٍ في العلم والدينِ والأخلاقِ فيأخذُ عنهُ، أو موافقًا لهُ على إصلاحِ ذلك فيؤيدُ ما عندهُ، وإن لم يكن لهُ عليهِ فضلٌ.

فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين. وليس لذي الفضلِ قريبٌ ولا حميمٌ أقربُ إليهِ ممن وافقهُ على صالحِ الخصال فزادهُ وثبتهُ.

ولذلك زعم بعضُ الأولينَ أن صُحبةَ بليدٍ نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبةِ لبيبٍ نشأ مع الجهال.

وعلى العاقلِ أن لا يحزن على شيءٍ فاتهُ من الدنيا أو تولى، وأن ينزلَ ما أصابهُ من ذلك ثم انقطعَ عنهُ منزلةَ ما لم يصب، وينزل ما طلبَ من ذلك ثم لم يدركهُ منزلة ما لم يطلب، ولا يدع حظهُ من السرورِ بما أقبل منها، ولا يبلغن ذلك سُكرًا ولا طغيانًا، فإن مع السكر النسيانَ، ومع الطغيانِ التهاونَ، ومن نسي وتهاون خسر.

وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه ويجرئهم عليها حتى يصيروا حرسًا على سمعهِ وبصرهِ ورأيه، فيستنيم إلى ذلك ويرحَ له قلبهُ، ويعلم أنهم لا يغفلونَ عنه إذا هو غفل عن نفسه.

وعلى العاقل، ما لم يكن مغلوبًا على نفسه، أن لا يشغلهُ شغلٌ عن أربعِ ساعاتٍ: ساعةٍ يرفعُ فيها حاجتهُ إلى ربهِ، وساعةٍ يحاسبُ فيها نفسهُ، وساعةٍ يفضي فيها إلى إخوانهِ وثقاته الذين يصدقونه عن غيوبهِ ويصونوهُ في أمرهِ، وساعةٍ يُخلي فيها بين نفسهِ وبين لذتها مما يحل ويجملُ، فإن هذه الساعةَ عونٌ على الساعات الأخرِ، وإنّ استجمام القلوبِ وتوديعها زيادةُ قوةٍ لها وفضل بلغةٍ.

وعلى العاقلِ أن لا يكونَ راغبًا إلا في إحدى ثلاثٍ: تزودٍ لمعادٍ، أو مرمةٍ لمعاشٍ، أو لذةٍ في غير محرمٍ.

وعلى العاقلِ أن يجعل الناسَ طبقتينِ متباينتينِ، ويلبس لهم لباسينِ مختلفينِ، فطبقةٌ من العامة يلبسُ لهم لباسَ انقباضٍ وإنجاز وتحفظٍ في كل كلمةٍ وخطوةٍ، وطبقةٌ من الخاصة يخلعُ عندهم لباسَ ويلبسُ لباس الآنسة واللطف والبذلة والمفاوضة. ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحدًا من الألف وكلهم ذو فضلٍ في الرأي، وثقةٍ في المودة، وأمانةٍ في السر، ووفاءٍ بالإخاء.

الصغير يصير كبيرًا

وعلى العاقل أن لا يستصغر شيئًا من الخطأ في الرأي، والزللِ في العلمِ، والإغفال في الأمور، فإنهُ من استصغر الصغير أوشكَ أن يجمعَ إليه صغيرًا وصغيرًا، فإن الصغير كبيرٌ. وإنما هي ثلم يثلمها العجزُ والتضييعُ. فإذا لم تسد أوشكت أن تتفجر بما لا يطاقُ. ولم نر شيئًا قط إلا قد أتي من قبلِ الصغير المتهاونِ به، قد رأينا الملكَ يؤتى من العدو المحتقر به، ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي لا يحفلُ بهِ، ورأينا الأنهار تنبشقُ من الجدول الذي يستخف بهِ.

وأقل الأمورِ احتمالًا للضياعِ الملكُ، لأنه ليس شيءٌ يضيعُ، وإن كان صغيرًا، إلا اتصل بآخر يكونُ عظيمًا.

وعلى العاقلِ أن يجبنَ عن المضي على الرأي الذي لا يجدُ عليه موافقًا وإن ظن أنهُ على اليقينِ.

وعلى العاقلِ أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان، وأن من شأنِ الناسِ تسويفَ الرأي وإسعافَ الهوى، فيخالفَ ذلك ويلتمس أن لا يزال هواهُ مسوفًا ورأيه مسعفًا وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمرانِ فلم يدرِ في أيهما الصوابُ أن ينظر أهواهما عندهُ، فيحذرهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت