اعلم أنّ من الناسِ ناسًا كثيرًا يبلغُ من أحدهمِ الغضبُ، إذا غضبَ، أن يحملهُ ذلك في الكلوحِ والقطوبِ في وجهِ غيرِ من أغضبهُ، وسوء اللفظ لمن لا ذنب لهُ، والعقوبةِ لمن لم يكن يهم بمعاقبتهِ، وشدةِ المعاقبةِ باللسانِ واليد لمن لم يكن يريدُ به إلا دون ذلكَ. ثم يبلغُ به الرضى، إذا رضي، أن يتبرع بالأمر ذي الخطرِ لمن ليس بمنزلةِ ذلك عندهُ، ويُعطي من لم يكن يُريدُ إعطاءهُ، ويكرمَ من لم يُرد إكرامهُ ولا حق له ولا مودةَ عندهُ.
فاحذر هذا الباب الحذر كله! فإنه ليس أحدٌ أسوأ فيه حالًا من أهلِ السلطانِ الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم، وبتسرعهم في رضاهم. فإنهُ لو وصفَ بهذه الصفةِ من يلتبسُ بعقلهِ أو يتخبطهُ المس أن يعاقبَ عند غضبهِ غير من أغضبهُ ويحبو عند رضاهُ غير من أرضاهُ لكان جائزًا ذلكَ في صفتهِ.
اعلم أن الملك ثلاثةٌ: ملكُ دينٍ، وملكُ حزمٍ، وملكُ هوى.
فأما ملكُ الدينِ فإنهُ إذا أقام للرعيةِ دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم ويلحقُ بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليمِ.
وأما ملكُ الحزمِ فإنهُ يقومُ به الأمرُ ولا يسلمُ من الطعنِ والتسخطِ. ولن يضر طعنُ الضعيفِ مع حزمِ القوي.
وأما ملكُ الهوى فلعب ساعةٍ ودمار دهرٍ.
إذا كان سلطانُكَ عند جدةِ دولةٍ، فرأيتَ أمرًا استقام بغيرِ رأيٍ، وأعوانًا أجزوا بغيرِ نيلٍ، وعملًا أنجح بغيرِ حزمٍ، فلا يغرنك ذلك ولا تستنيمن إليه. فإن الأمر الجديد ربما يكونُ لها مهابةٌ في أنفسِ أقوامِ وحلاوةٌ في قلوبِ آخرينَ، فيُعينُ قومٌ على أنفسهم ويعينُ قومٌ بما قبلهم. ويستتب ذلكَ الأمرُ غير طويلٍ ثم تصيرُ الشؤونُ إلى حقائقها وأصولها.
فما كان من الأمور بنى على غيرِ أركانٍ وثيقةٍ ولا دعائم محكمةٍ أوشك أن يتداعى ويتصدع.
لا تكونن نزر الكلام والسلامِ، ولا تبلغن بهما إفراط الهشاشةِ والبشاشةِ. فإن إحداهُما من الكبرِ والأخرى من السخف.
إذا كانت إنما تضبطُ أمورك وتصولُ على عدوكَ بقومٍ لست منهم على ثقةٍ من دينٍ ولا رأي ولا حفاظٍ من نيةٍ فلا تنفعنكَ نافعةٌ حتى تحولهم، إن استطعتَ إلى الرأي والأدبِ الذي بمثلهِ تكون الثقة، أو تستبدل بهم، إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد. ولا تغرنكَ قوتكَ بهم على غيرهم، فإنما أنت في ذلك كراكبِ الأسدِ الذي يهابهُ من نظر إليه، وهو لمركبهِ أهيبُ.
ليس للملكِ أن يغضبَ، لأن القدرة من وراء حاجتهِ.
وليس لهُ أن يكذبَ، لأنه لا يقدرُ أحدٌ على استكراههِ على غير ما يريدُ.
وليس له أن يبخل، لأنه أقلُ الناسِ عذرًا في تخوف الفقرِ.
وليس له أن يكون حقودًا، لأن خطرهُ قد عظُمَ عن مجاراةِ كل الناسِ وليس لهُ أن يكونَ حلاّفًا، لأن أحق الناسِ باتقاء الأيمان الملوكُ، فإنما يحملُ الرجلَ على الحلفِ إحدى هذه الخصال: إما مهانةٌ يجدها في نفسه، وضرعٌ وحاجةٌ إلى تصديقِ الناسِ إياهُ.
وإما عنيٌّ بالكلامِ، فيجعل الأيمان لهُ حشوًا ووصلًا.
وإما تهمةٌ قد عرفها من الناسِ لحديثهِ، فهو ينزلُ نفسهُ منزلةَ من لا يقبلُ قولهُ إلى بعد جهد اليمين.
وإما عبثُ بالقولِ وإرسالٌ للسانِ على غيرِ رويةٍ ولا حسنِ تقديرٍ، ولا تعويدٍ له قولَ السدادِ والتثبتَ.
لا عيبَ على الملكِ في تعيشهِ وتنعمهِ ولعبهِ ولهوهِ، إذا تعهد الجسيم من أمرهِ بنفسهِ، وأحكمَ المهم، وفوض ما دون ذلك إلى الكفاةِ.
كل أحدٍ حقيقٌ، حين ينظرُ في أمورِ الناسِ، أن يتهم نظرهُ بعينِ الريبةِ، وقلبهُ بعينِ المقتِ، فإنهما يزينانِ الجور ويحملانِ على الباطلِ ويقبحانِ الحسنَ ويُحسنانِ القبيحَ.
وأحقُّ الناسِ باتهامِ نظرهِ بعينِ الريبةِ وعينِ المقتِ السلطانُ الذي ما وقعَ في قلبهِ ربا مع ما يقيضُ له من تزيينِ القرناءِ والوزراءِ.
وأحقُّ الناسِ بإجبار نفسه على العدل في النظر والقولِ والفعلِ الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمرًا نافذًا غير مردودٍ.