الصفحة 17 من 28

ولا يقعنّ ذلك في نفسك موقع ما يكرثكَ، فإنهُ إن وقع منكَ ذلك الموقعَ، أدخل عليك أمورًا مشتبهتةً بالريبةِ مذكرةً لما قالَ فيكَ العائبُ. وإن اضطركَ الأمرُ في ذلكَ إلى الجواب فإياكَ وجوابَ الغضبِ والانتقامِ وعليك بجوابِ الحجةِ في حلمٍ ووقارٍ. ولا تشكنَّ في أن الغلبةَ والقوةَ للحليمِ أبدًا.

لا تتكلمن عند الوالي كلامًا أبدًا إلا لعنايةٍ، أو يكونَ جوابًا لشيء سئُلتَ عنه. ولا تحضرن عند الوالي كلامًا أبدًا لا تعني بهِ أو تؤمرُ بحضورهِ.

ولا تعدن شتم الوالي شتمًا، ولا إغلاظهُ إغلاظًا، فإن ربح العزةِ قد تبسطُ اللسانَ بالغلظةِ في غير سخطٍ ولا بأسٍ.

جانب المسخوط عليهِ والظنين به عند السلطانِ. ولا يجمعنكَ وإياهُ مجلسٌ ولا منزلٌ، ولا تظهرنَ لهُ عذرًا، ولا تثنينّ عليه خيرًا عند أحدٍ من الناسِ.

فإذا رأيتهُ قد بلغ من الإعتابِ مما سخط عليه فيه ما ترجو أن تلينَ لهُ به قلبَ الوالي، واستيقنتَ أن الوالي قد استيقنَ بمباعدتك إياهُ وشدتك عليهِ عند الناسِ فضع عذرهُ عند الوالي واعمل في إرضائه عنهُ في رفقٍ ولطفٍ.

ليعلمِ الوالي أنكَ لا تستنكفُ عن شيء من خدمتهِ. ولا تدع مع ذلك أن تقدمَ إليه القولَ، عند بعضِ حالاتِ رضاهُ وطيبِ نفسهِ، في الاستعفاء من الأعمال التي هي أهلٌ أن يكرهها ذو الدينِ وذو العقلِ و ذو العرضِ وذو المروءةِ، من ولاية القتلِ والعذابِ وأشباهِ ذلكَ.

وإذا أصبتَ الجاه والخاصة عند السلطانِ، فلا يحدثن لكَ ذلك تغيرًا على أحدٍ من أهلهِ وأعوانهِ، ولا استغناء عنهم، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوةٍ أو تغيرٍ فتذل لهم فيها.

وفي تلونِ الحال عند ذلك من العارِ ما فيهِ.

ليكن مما تحكمُ من أمركَ ألا تُسارَ أحدًا من الناس ولا تهمس إليه بشيء تخفيهِ على السلطانِ أو تعلنهُ فإن السرارَ مما يخيلُ إلى كل من رآهُ من ذي سلطانٍ أو غيرهِ أنهُ المرادُ بهِ. فيكونُ ذلك في نفسهِ حسيكةً ووغرًا وثقلًا.

لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيرهِ في الهزلِ، فإنها تسرعُ في إبطالِ الحق ورد الصدقِ مما تأتي بهِ.

تنكب، في ما بينكَ وبينَ السلطانِ وفي ما بينكَ وبينَ الإخوانِ، خلقًا قد عرفناهُ في بعضِ الوزراء والأعوان في ادعاء الرجلِ، عندما يظهرُ من صاحبهِ حسنُ أثرٍ أو صوابُ رأيٍ، أنهُ عملَ في ذلك وأشار به، وإقرارهِ بذلكَ إذا مدحهُ به مادحٌ. بل إن استطعتَ أن تعرفَ صاحبكَ أنك تنحلهُ صوابَ رأيكَ، فضلًا عن أن تدعي صوابهُ، وتسندَ ذلك إليه وتزينهُ بهِ، فافعل.

فإن الذي أنت آخذٌ بذلك أكثرُ مما أنتَ معطٍ بأضعافٍ.

إذا سأل الوالي غيرك فلا تكونن أنت المجيبَ عنهُ. فإن استلابكَ الكلام خفةٌ بكَ واستخفافٌ منك بالمسؤولِ وبالسائلِ.

وما أنتَ قائلٌ إن قال لكَ السائلُ: ما إياك سألتُ؟ أو قال لكَ المسؤولُ عندَ المسألةِ يعادُ له بها: دونكَ فأجب.

وإذا لم يقصدِ السائلُ في المسألةِ لرجلٍ واحدٍ وعم بها جماعةَ من عندهُ فلا تُبادرن بالجواب، ولا تسابقِ الجلساءَ، ولا تواثب بالكلام مواثبةً. فإن ذلك يجمعُ من شينِ التكلفِ والخفة أنكَ إذا سبقتَ القومَ إلى الكلامِ صارُوا لكلامكَ خصماءَ فتعقبوهُ بالعيبِ والطعنِ. وإذا أنتَ لم تعجل بالجوابِ وخليتهُ للقومِ، اعترضت أقاويلهم على عينكَ، ثم تدبرتها وفكرتَ في ما عندك، ثم هيأتَ من تفكيركَ ومحاسنِ ما سمعتَ جوابًا رضيًا، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخُ إليك الأسماعُ و يهدأ عنكَ الخصُومُ.

وإن لم يبلغكَ الكلامُ حتى يُكتفى بغيركَ، أو ينقطعِ الحديثُ قبل ذلكَ، فلا يكونُ من العيبِ عندك ولا من الغبنِ في نفسكَ فوتُ ما فاتكَ من الجوابِ.

فإن صيانةَ القولِ خيرٌ من سوء وضعهِ، وإن كلمةً واحدةً من الصوابِ تصيبُ موضعها خيرٌ من مئةِ كلمةٍ تقولها في غيرِ فرصها ومواضعها. مع أن كلامَ العجلةِ والبدارِ موكلٌ بهِ الزللُ وسوءُ التقدير، وإن ظن صاحبهُ أنهُ قد أتقن وأحكمَ.

واعلم أن هذه الأمورَ لاتدركُ ولا تملكُ إلا برحبِ الذرعِ عند ما قيل وما لم يقل، وقلةِ الإعظامِ لما ظهرَ من المروءةِ وما لم يظهر، وسخاوةِ النفسِ عن كثيرٍ من الصوابِ مخافةَ الخلافِ والعجلةِ والحسدِ والمراءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت