وأنتَ حقيقٌ فيما وعدتَ من نفسكَ أو أخبرتَ بهِ صاحبكَ أن تحتجنَ بعض ما في نفسكَ، إعدادًا لفضلِ الفعلِ على القولِ، وتحرزًا بذلك عن تقصيرِ فعلٍ إن قصرَ. وقلما يكونُ إلا مُقصرًا.
احفظ قولَ الحكيمِ الذي قالَ: لتكُن غايتُكَ فيما بينكَ وبينَ عدوكَ العدل، وفيما بينكَ وبينَ صديقكَ الرضاء.
وذلك أن العدو خصمٌ تصرعهُ بالحجةِ وتغلبهُ بالحكامِ، وأن الصديقَ ليس بينكَ وبينهُ قاضٍ، فإنما حكمهُ رضاهُ.
كيف تختار صديقكَ
اجعل غاية تشبثكَ في مؤاخاةِ من تؤاخي ومواصلةِ من تواصلُ توطينَ نفسكَ على أنه لا سبيل لكَ إلى قطيعةِ أخيكَ، وإن ظهر لكَ منهُ ما تكرهُ، فإنهُ ليس كالمملوكِ تعتقهُ متى شئتَ أو كالمرأة التي تُطلقها إذا شئتَ، ولكنهُ عرضكَ ومروءتكَ. فإنما مروءةُ الرجلِ إخوانهُ وأخدانهُ. فإن عثر الناسُ على أنكَ قطعتَ رجلًا من إخوانكَ، وإن كنتَ معذرًا، نزلَ ذلك عند أكبرهم بمنزلةِ الخيانةِ للإخاء والملالِ فيهِ. وإن أنتَ معَ ذلك تصبرتَ على مقارتهِ على غير الرضى عادَ ذلكَ إلى العيبِ والنقيصةِ.
فالاتئادَ الاتئاد! والتثبتَ التثبتَ.
وإذا نظرتَ في حال من ترتئيهِ لإخائك، فإن كان من إخوانِ الدينِ فليكن فقيهًا غير مراءٍ ولا حريصٍ، وإن كان من أخوانِ الدنيا فليكن حرًا ليس بجاهلٍ ولا كذابٍ ولا شريرٍ ولا مشنوعٍ. فإن الجاهل أهلٌ أن يهربَ منهُ أبواهُ، وإن الكذابَ لا يكونُ أخًا صادقًا. لأن الكذب الذي يجري على لسانهِ إنما هو من فضولِ كذبِ قلبهِ، وإنما سمي الصديقُ من الصدقِ. وقد يتهمُ صدقُ القلبِ وإن صدقَ اللسانُ. فكيفَ إذا ظهرَ الكذبُ على اللسانِ؟ وإن الشريرَ بمكسبكَ العدو. ولا حاجةَ لكَ في صداقةٍ تجلبُ العداوةَ وإن المشنوعَ شانعٌ صاحبهُ.
واعلم أن انقباضكَ عن الناسِ يُكسبكَ العداوةَ. وأن انبساطكَ إليهم يكسبكَ صديق السوء. وسوءُ الأصدقاء أضر من بغضِ الأعداء. فإنك إن واصلتَ صديقَ السوء أعيتكَ جرائرهُ، وإن قطعتهُ شانك اسم القطيعةِ، وألزمك ذلك من يرفع عيبكَ ولا ينشرُ عذركَ. فإن المعايبَ تنمي والمعاذير لا تنمي.
البس للناسِ لباسينِ ليس للعاقلِ بدٌّ منهما، ولا عيشَ ولا مروءةَ إلا بهما: لباسَ انقباضٍ واحتجازٍ من الناسِ، تلبسهُ للعامةِ فلا يلقونكَ إلا متحفظًا متشددًا متحرزًا مستعدًا.
ولباسَ انبساطٍ واستئناسٍ، تلبسهُ للخاصةِ الثقاتِ من أصدقائك فتلقاهمُ بذاتِ صدركَ وتفضي إليهم بمصونِ حديثكَ وتضعُ عنكَ مؤونةَ الحذرِ والتحفظِ في ما بينكَ وبينهم.
وأهل هذه الطبقةِ، الذين هم أهلها، قليلٌ من قليلٍ حقًا. لأن ذا الرأي لا يدخلُ أحدًا من نفسهِ هذا المدخل إلا بعد الاختبارِ والتكشفِ والثقةِ بصدقِ النصيحةِ ووفاء العهدِ.
صُن لسانك
اعلم أن لسانك أداةٌ مُصلتةٌ، يتغالبُ عليهِ عقلكَ وغضبكَ وهواك وجهلكَ. فكُل غالبٍ مستمتعٌ به وصارفهُ في محبتهِ، فإذا غلبَ عليهِ عقلكَ فهو لكَ، وإن غلبَ عليه شيءٌ من أشباهِ ما سميتُ لك فهو لعدوكَ.
فإنِ استطعتَ أن تحتفظ به وتصونهُ فلا يكونَ إلا لكَ، ولا يستولي عليهِ أو يشارككَ فيه عدوكَ، فافعل.
إذا نابت أخاكَ إحدى النوائبِ من زوالِ نعمةٍ أو نزولِ بليةٍ، فاعلم أنكَ قد ابتليتَ معهُ: إما بالمؤاساةِ فتشاركهُ في البليةِ، وإما بالخذلانِ فتحتملُ العارَ.
فالتمس المخرجَ عند أشباهِ ذلكَ، وآثر مروءتكَ على ما سواها.
فإن نزلت الجائحةُ التي تأبى نفسكَ مشاركةَ أخيكَ فيها فأجمل، فلعلّ الإجمالَ يسعكَ، لقلةِ الإجمالِ في الناسِ.
وإذا أصابَ أخاكَ فضلٌ فإنهُ ليسَ في دنوكَ منهُ وابتغائكَ مودتهُ وتواضعكَ لهُ مذلةٌ. فاغتنم ذلك واعمل بهِ.
لا تعتذرن إلا إلى من يُحب أن يجد لكَ عذرًا، ولا تستعين إلا بمن يحب أن يظفركَ بحاجتكَ، ولا تُحدثنَ إلا من يرى حديثكَ مغنمًا، ما لم يغلبكَ اضطرارٌ.
وإذا اعتذر إليكَ معتذرٌ، فتلقهُ بوجهٍ مشرقٍ وبشرٍ ولسانٍ طلقٍ إلا أن يكونَ ممن قطيعتهُ غنيمةٌ.
إذا غرستَ من المعروفِ غرسًا وأنفقت عليهِ نفقةً فلا تضنن في تربية ما غرستَ واستنمائهِ، فتذهب النفقةُ الأولى ضياعًا.