واعلم أن المستشار ليس بكفيلٍ، وأن الرأي ليس بمضمونٍ. بل الرأيُ كلهُ غررٌ، لأن أمورَ الدنيا ليس شيءٌ منها بثقةٍ، ولأنه ليس من أمرها شيءٌ يدركهُ الحازمُ إلى وقد يدركهُ العاجزُ. بل ربما أعيا الحزمةَ ما أمكنَ العجزةَ. فإذا أشارَ عليكَ صاحبكَ برأي، ثم لم تجد عاقبتهُ على ما كنتَ تأملُ فلا تجعل ذلك عليهِ ذنبًا، ولا تلزمهُ لومًا وعذلًا بأن تقولَ: أنت فعلتَ هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنتَ لم أفعل، ولا جرمَ لا أطيعكَ في شيء بعدها. فإن هذا كلهُ ضجرٌ ولؤمٌ وخفةٌ.
فإن كنت أنتَ المشيرَ، فعملَ برأيكَ أو تركهُ، فبدا صوابكَ فلا تمنن بهِ ولا تكثرنّ ذكرهُ إن كان فيهِ نجاحٌ، ولا تلمهُ عليه إن كانَ قد استبانَ في تركهِ ضررٌ بأن تقول: ألم أقل لكَ افعل هذا، فإن هذا مُجانبٌ لأدبِ الحكماء.
تعلم حسنَ الاستماعِ كما تتعلمُ حسنَ الكلامِ. ومن حسنِ الاستماع إمهالُ المتكلمِ حتى ينقضي حديثهُ، وقلة التلفت إلى الجوابِ، والإقبالُ بالوجهِ والنظر إلى المتكلمِ، والوعي لما يقولُ.
واعلم، في ما تكلمُ بهِ صاحبكَ، أن مما يهجنُ صوابَ ما يأتي به، ويذهبُ بطعمهِ وبهجتهِ، ويزري به في قبولهِ، عجلتكَ بذلك، وقطعك حديثَ الرجل قبل أن يفضي إليك بذاتِ نفسهِ.
إن رأيتَ نفسك تصاغرت إليها الدنيا، أودعتكَ إلى الزهادةِ فيها على حالِ تعذرٍ من الدنيا عليكَ فلا يغرنكَ ذلك من نفسكَ على تلكَ الحال، فإنها ليست بزهادةٍ، ولكنها ضجرٌ واستخذاءٌ وتغيرُ نفسٍ عندما أعجزكَ من الدنيا وغضبٌ منكَ عليها مما التوى عليكَ منها. ولو تمت على رفضها وأمسكتَ عن طلبها أوشكتَ أن ترى من نفسكَ من الضجرِ والجزعِ أشد من ضجركَ الأولَِ بأضعافِ. ولكن إذا دعتكَ نفسكَ إلى رفضِ الدنيا وهي مقبلةٌ عليكَ، فأسرع إلى إجابتها.
اعرف عوراتك. إياك أن تعرض بأحد في ما ضارعها. وإذا ذكرت من أحد خيلقةٌ فلا تناضل عنه مناضلة المدافعِ عن نفسهِ المصغرِ لما يعيبُ الناسُ منهُ فتتهمَ بمثلها. ولا تُلح كل الإلحاحِ. وليكن ما كان منك في غيرِ اختلاطٍ، فإن الاختلاط من محققاتِ الريبِ.
إذا كنتَ في جماعة قومٍ أبدًا فلا تعممنَ جيلًا من الناسِ أو أمةً من الأمم بشتمٍ ولا ذمٍ. فإنك لا تدري: لعلك تتناولُ بعض أعراضِ جُلسائكَ مخطئًا، فلا تأمن مكافأتهم. أو معتمدًا فتنسبَ إلى السفهِ. ولا تذمن مع ذلك اسمًا من أسماء الرجالِ أو النساء بأن تقولَ إن هذا لقبيحٌ من الأسماء. فإنكَ لا تدري، لعلّ ذلك غيرُ موافقٍ لبعض جلسائكَ، ولعلهُ يكونُ بعض أسماء الأهلينَ الحرمِ. ولا يستصغرن من هذا شيئًا، فكل ذلك يجرحُ في القلبِ. وجرحُ اللسان أشد من جرحِ اليد.
ومن الأخلاقِ السيئةِ على كل حالٍ مغالبةُ الرجلِ على كلامهِ والاعتراضُ فيهِ، والقطعُ للحديثِ.
ومن الأخلاقِ التي أنتَ جديرٌ بتركها إذا حدث الرجلُ حديثًا تعرفهُ، ألا تسابقهُ إليه وتفتحهُ عيهِ وتشاركهُ فيهِ، حتى كأنكَ تظهر للناس أنك تريدُ أن يعلموا أنكَ تعلمُ مثل الذي يعلمُ.
وما عليكَ أن تهنئهُ بذلكَ وتفرده بهِ.
وهذا البابُ من أبوابِ البخلِ. وأبوابه الغامضةُ كثيرةٌ.
إذا كنتَ في قومٍ ليسوا بلغاء ولا فُصحاء، فدعِ التطاولَ عليهم بالبلاغةِ والفصاحة.
واعلم أن بعض شدة الحذرِ عونٌ عليكَ في ما تحذرُ وأن بعض شدةِ الاتقاء مما يدعو إليك ما تتقي.
واعلم أن الناسَ يخدعونَ أنفسهم بالعريضِ والتوقيعِ بالرجالِ في التماسِ مثالبهم ومساويهم ونقيصتهم. وكل ذلك أبينُ عند سامعيهِ من وضح الصبحِ. فلا تكونن من ذلك في غرورٍ ولا تجعلنَ نفسكَ من أهلهِ.
اعلم أن من تنكبِ الأمورِ ما يسمى حذرًا، ومنهُ ما يُسمى خورًا. فإن استطعتَ أن يكونَ جُنبكَ من الأمرِ قبل مواقعتكَ إياهُ فافعل. فإن هذا الحذرُ. ولا تنغمس فيه ثم تتهيبهُ. فإن هذا هو الخوارُ. فإن الحكيم لا يخوضُ نهرًا حتى يعلمَ مقدارَ غورهِ.