الصفحة 2 من 28

وقد وضعتُ في هذا الكتاب من كلام الناسِ المحفوظِ حروفًا فيها عونٌ على عمارةِ القلوبِ وصقالها وتجليةِ أبصارها، وإحياءٌ للتفكيرِ وإقامةٌ للتدبير، ودليلٌ على محامدِ الأمور ومكارمِ الأخلاقِ إن شاء اللهُ!

الواصفون أكثرُ من العارفين، والعارفون أكثرُ من الفاعلينَ.

فلينظرُ امرؤ أين يضعُ نفسه. فإن لكل امرئ لم تدخل عليه آفةً نصيبًا من اللب يعيشُ به، لا يُحب أن لهُ به من الدنيا ثمنًا. وليس كل ذي نصيبٍ من اللب بمستوجبٍ أن يسمى في ذوي الألبابِ، ولا يوصفُ بصفاتهم. فمن رام أن يجعل نفسهُ لذلك الاسم والوصفِ أهلًا، فليأخذ له عتادهُ وليعد له طول أيامه، وليؤثره على أهوائهِ. فإنهُ قد رام أمرًا جسيمًا لا يصلحُ على الغفلة، ولا يدركُ بالعجزةٍ، ولا يصيرُ على الأثرةِ. وليس كسائرِ أمورِ الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدركُ منها المتواني ما يفوتُ الثابرُ، ويصيبُ منها العاجزُ ما يخطئ الحازمُ.

وليعلم أن على العاقلِ أمورًا إذا ضيعها حكم عليه عقلهُ بمقارنة الجهار.

فعلى العاقلِ أن يعلم أن الناس مشتركونَ مستون في الحبُ لما يوافقُ والبغضِ لما يؤذي، وأن هذه منزلةٌ اتفق عليها الحمقى الأكياسُ، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصالٍ هن جماعُ الصوابِ وجماعُ الخطأ، وعندهن تفرقتِ العلماءُ والجهال، والحزمةُ والعجزةُ.

أن العاقل ينظرُ فيما يؤذيه وفيما يسرهُ، فيعلم أنّ أحق ذلك بالطلبِ، إن كان مما يحب، وأحقهُ بالاتقاء، إن كان مما يكرهُ، أطوالهُ وأدومُهُ وأبقاهُ، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرةِ على الدنيا، وفضل سرورِ المروءةِ على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامعِ الذي تصلحُ به الأنفُسُ والأعقابُ على حاضرِ الرأي الذي يستمتعُ به قليلًا ثم يضمحل، وفضل الأكلاتِ على الأكلة والساعات على الساعة.

أن ينظُرَ فيما يؤثرُ من ذلك، فيضعَ الرجاءَ والخوفَ فيهِ موضعهُ، فلا يجعل اتقاءهُ لغيرٍ المخوفِ ولا رجاءهُ في غيرِ المدركِ. فيتوقى. عاجلَ اللذاتِ طلبًا لآجلها، ويحتملُ قريبَ الأذى توقيًا لبعيدهِ. فإذا صارَ إلى العاقبةِ، بدا لهُ أن قرارهُ كان تورطًا وأن طلبه كان تنكبًا.

هو تنفيذُ البصرِ بالعزمِ بعد المعرفةِ بفضل الذي هو أدوم، وبعد التثبتِ في مواضعِ الرجاء والخوف. فإن طالب الفضل بغير بصرٍ تائهٌ حيرانُ، ومبصرُ الفضلِ بغيرِ عزمٍ ذو زمانةٍ محروم.

وعلى العاقل مخاصمةُ نفسه ومحاسبتُها والقضاءُ عليها والإثابةُ والتنكيلُ بها.

أما المحاسبةُ، فيحاسبُها بما لها، فإنهُ لا مال لها إلا أيامُها المعدودةُ التي ما ذهبَ منها لم يستخلف كما تستخلفُ النفقةُ، وما جعل منها في الباطلِ لم يرجع إلى الحق، فيتنبهُ لهذه المحاسبةِ عند الحول إذا حال، والشهر إذا انقضى، واليوم إذا ولى، فينظر فيما أفنى من ذلك، وما كسب لنفسهِ، وما اكتسب عليها في أمرِ الدينِ وأمرِ الدنيا. فيجمعُ ذلك في كتابٍ فيه إحصاءٌ، وجدٌ، وتذكيرٌ للأمورِ، وتبكيتٌ للنفسِ وتذليل لها حتى تعترفَ تذعن.

وأما الخصومةُ، فإن من طباعِ النفسِ الآمرةِ بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى، والأماني فيما بقي، فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها.

وأما القضاءُ، فإنهُ يحكمُ فيما أرادت من ذلك على السيئة بأنها فاضحةٌ مرديةٌ موبقةٌ، وللحسنةِ بأنها زائنةٌ منجيةٌ مربحةٌ.

وأما الإثابةُ والتنكيلُ، فإنهُ يسر نفسهُ بتذكر تلك الحسناتِ ورجاء عواقبها وتأميلِ فضلها، ويعاقبُ نفسه بالتذكر للسيئاتِ والتبشعِ بها والاقشعرار منها والحزن لها.

فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذًا، وأقلهم عنها فيه فترةً.

وعلى العاقل أن يذكر الموتَ في كل يومٍ وليلةٍ مرارًا، ذكرًا يباشر به القلوبَ ويقدعُ الطماح، فإن في كثرةِ ذكر الموتِ عصمةً من الأشرِ، وأمانًا بإذن الله، من الهلعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت