الصفحة 20 من 28

ومن تمام حسنِ الخلقِ والأدبِ في هذا الباب أن تسخو نفسكَ لأخيكَ بما انتحل من كلامك ورأيكَ، وتنسبَ إليه رأيهُ وكلامهُ، وتُزينهُ مع ذلك ما استطعتَ.

لا يكونن من خلقك أن تبتدئ حديثًا ثم تقطعهُ وتقولَ:"سوفَ"كأنك روأت فيه بعد ابتدائك إياه. وليكن ترويكَ فيه قبل التفوهِ بهِ. فإن احتجانَ الحديثِ بعد افتتاحه سخفٌ وغم.

اخزن عقلكَ وكلامكَ إلى عند إصابةِ الموضعِ. فإنهُ ليس في كل حينٍ يحسنُ كل صوابٍ، وإنما تمام إصابةِ الرأي والقولِ بإصابةِ الموضعِ. فإن أخطأك ذلك أدخلتَ المحنة على عقلك وقولكَ حتى تأتي به إن أتيتَ بهِ في غيرِ موضعهِ وهو لا بهاء ولا طلاوةَ لهُ.

وليعرفِ العُلماءُ حينَ تُجالسهمُ أنكَ على أن تسمعَ أحرصُ منكَ على أن تقولَ

إن آثرت أن تُفاخر أحدًا ممن تستأنسُ إليهِ في لهو الحديثِ فاجعل غايةَ ذلك الجد، ولا تعتد أن تتكلم فيهِ بما كان هزلًا، فإذا بلغهُ أو قاربهُ فدعهُ.

ولا تخلطن بالجد هزلًا، ولا بالهزلِ جدًا. فإنكَ إن خلطتَ بالجد هزلًا هجنتهُ، وإن خلطتَ بالهزلِ جدًا كدرتهُ.

غير أني قد علمتُ موطنًا واحدًا إن قدرتَ أن تستقبلَ فيه الجد بالهزلِ أصبتَ الرأي وظهرتَ على الأقرانِ: وذلك أن يتوردك متوردٌ بالسفةِ والغضبِ وسوء اللفظِ، فتجيبهُ إجابة الهازلِ المداعبِ، برحبٍ من الذرعِ، وطلاقةٍ من الوجهِ، وثباتٍ من المنطقِ.

إن رأيتَ صاحبكَ مع عدوكَ فلا يغضبنكَ ذلك، فإنما هو أحدٌ رجلين: إن كان رجلًا من أخوانِ الثقةِ فأنفعُ مواطنهِ لك أقربها من عدوكَ لشرٍ يكفهُ عنكَ، أو لعورةٍ يسترها منكَ، أو غائبةٍ يطلعُ عليها لكَ، فأما صديقكَ فما أغناكَ أن يحضرهُ ذو ثقتك.

وإن كان رجلًا من غيرِ خاصةِ إخوانكَ فبأي حقٍ تقطعهُ عنِ الناسِ وتكلفهُ ألا يتصاحبَ ولا يُجالسَ إلا من تهوى؟ تحفظ في مجلسك وكلامكَ من التطاولِ على الأصحابِ، وطب نفسًا عن كثيرٍ مما يعرضُ لك فيهِ صوابُ القولِ والرأي، مُداراةً لئلا يظن أصحابكَ أن دأبكَ التطاوُلُ عليهم.

إذا أقبل إليكَ مقبلٌ بودهِ فسركَ ألا يدبرَ عنكَ، فلا تنعمِ الإقبالَ عليهِ والتفتحَ لهُ، فإنّ الإنسانَ طبعَ على ضرائبِ لؤمٍ. فمن شأنهِ أن يرحل عمن لصقَ بهِ ويلصقَ بمن رحلَ عينه إلا من حفظَ بالأدبِ نفسهُ وكابرَ طبعهُ.

فتحفظ من هذا فيكَ وفي غيركَ.

لا تكثرن ادعاء العلمِ في كل ما يعرضُ بينكَ وبين أصحابكَ فإنك من ذلك بين فضيحتينِ.

إما أن ينازعوك فيما ادعيتَ فيهجمَ منكَ على الجهالةِ والصلفِ، وإما ألا ينازعوك ويخلوا في يديك ما ادعيت من الأمورِ، فينكشفَ منكَ التصنعُ والمعجزةُ.

واستحي الحياء كلهُ من أن تخبرَ صاحبكَ أنكَ عالمٌ وأنهُ جاهلٌ: مصرحًا أو معرضًا.

وإن استطلتَ على الأكفاء فلا تثقنَّ منهم بالصفاء.

وإن آنستَ من نفسكَ فضلًا فتحرج أن تذكرهُ أو تبديهُ واعلم أن ظهورهُ منكَ بذلك الوجهِ يقررُ لكَ في قلوبِ الناسِ من العيبِ أكثر مما يقررُ لكَ من الفضلِ.

واعلم أنكَ إن صبرتَ ولم تعجل ظهرَ ذلك منكَ بالوجهِ الجميلِ المعروفِ عند الناسِ.

ولا يخفين عليكَ أن حرصَ الرجلِ على إظهارِ ما عنده وقلةَ وقارهِ في ذلك بابُ من أبوابِ البخلِ واللؤمِ.

وأن من خيرِ الأعوان على ذلك السخاءً والتكرمَ.

وإن أردتَ أن تلبسَ ثوبَ الوقارِ والجمالِ وتتحلى بحليةِ المودةِ عند العامةِ وتسلك الجدد الذي لا خبار فيه ولا عثارَ فكن عالمًا كجاهلٍ وناطقًا كعيي.

فأما العلمُ فيزينكَ ويرشدكَ. وأما قلةُ ادعائهِ فتنفي عنكَ الحسد. وأما المنطقُ إذا احتجتَ إليه فيبلغكَ حاجتكَ. وأما الصمتُ فيكسبكَ المحبةَ والوقارَ.

وإذا رأيتَ رجلًا يُحدثُ حديثًا قد علمته أو يخبرُ خبرًا قد سمعتهُ فلا تشاركهُ فيهِ ولا تتعقبهُ عليه، حرصًا على أن يعلم الناسُ أنكَ قد علمتهُ، فإن في ذلك خفةً وشحًا وسوءَ أدبٍ وسخفًا.

وليعرف إخوانك والعامةُ أنكَ، إن استطعتَ، وإلى أن تفعلَ ما لا تقولُ أقربُ منك إلى أن تقولَ ما لا تفعلُ.

فإن فضل القولِ على الفعلِ عارٌ وهُجنةٌ، و فضلَ الفعلِ على القولِ زينةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت