وأحق من لم يستخف به ثلاثةٌ: الأتقياءُ والولاةُ والإخوانُ، فإنهُ من استخف بالأتقياء أهلك دينهُ، ومن استخف بالولاةِ أهلك دنياهُ، ومن استخف بالإخوانِ أفسد مروءتهُ.
من حاول الأمورَ احتاج فيها إلى ست: العلمِ، والتوفيق، والفرصةِ، والأعوانِ، والأدبِ، والاجتهادِ.
وهن أزواجٌ: فالرأيُ والأدبُ زوجٌ. لا يكملُ الرأي بغيرِ الأدبِ، ولا يكملُ الأدبُ إلا بالرأي.
والأعوانُ والفرصةُ زوجٌ لا ينفعُ الأعوانُ إلا عند الفرصةِ، ولا تتم الفرصةُ إلا بحضورِ الأعوانِ.
والتوفيقُ والاجتهادُ زوجٌ، فالاجتهادُ سببُ التوفيقِ، وبالتوفيقِ ينجحُ الاجتهادُ.
يسلمُ من عظامِ الذنوبِ و العيوبِ بالقناعةِ ومحاسبةِ النفسِ.
لا تجدُ العاقلَ يُحدثُ من يخافُ تكذيبهُ، ولا يسألُ من يخافُ منعهُ، ولا يعدُ بما لا يجدُ إنجازهُ، ولا يرجو ما يعنفُ برجائهِ، ولا يقدمُ على من يخافُ العجزَ عنهُ.
وهو يسخي بنفسهِ عما يغبطُ بهِ القوالون خروجًا من عيبِ لتكذيبِ، ويسخي بنفسه عما ينالُ السائلون سلامةً من مذلةِ لمسألةِ، ويسخي بنفسهِ عن محمدةِ المواعيد براءة من مذمةِ لخلفِ، ويسخي بنفسهِ عن فرحِ الرجاء خوفَ الإكداء، ويسخيهِ عن مراتبِ المقدمين ما يرى من فضائحِ المقصرين.
لا عقل لمن أغفلهُ عن آخرتهِ ما يجدُ من لذةِ دنياهُ، وليس من العقلِ أن يحرمهُ حظهُ من الدنيا بصرهُ بزوالها.
سعيد ومرجوّ
حاز الخير رجُلانِ: سعيدٌ ومرجو.
فالسعيد الفالجُ، والمرجو من لم يخصم.
والفالجُ الصالحُ ما دام في قيدِ الحياةِ وتعرض الفتنِ في مُخاصمةٍ الخصماء من الأهواء والأعداء.
السعيدُ يُرغبهُ اللهُ في الآخرةِ حتى يقُول: لا شيء غيرها، فإذا هضمَ دنياهُ وزهدَ فيها لآخرتهِ، لم يحرمهُ الله بذلكَ نصيبهُ من الدنيا ولم ينقصهُ من سرورهِ فيها.
والشقي يرغبهُ الشيطانُ في الدنيا حتى يقول: لا شيء غيرها. فيجعلُ الله له النغيص في الدنيا التي آثر مع الخزي الذي يلقى بعدها.
الرجالُ أربعةٌ: جوادٌ، وبخيلٌ، ومسرفٌ، ومقتصدٌ. فالجوادُ الذي يوجهُ نصيبَ آخرتهِ ونصيبَ دنياهُ جميعًا في أمرِ آخرتهِ.
والبخيلُ الذي يخطئ واحدةً منهما نصيبها.
والمسرفُ الذي يجمعهما لدنُياهُ.
والمقتصدُ الذي يلحقُ بكل واحدةٍ منهُما نصيبها.
أغنى الناس أكثرهم إحسانًا.
قال رجلٌ لحكيمٍ: ما خيرُ ما يؤتى المرء؟ قال: غريزةُ عقلٍ. قال: فإن لم يكن؟ قال: فتعلمُ علمٍ. قال: فإن حرمهُ؟ قال: صدقُ اللسانِ قال: فإن حرمهُ؟ قال: سكوتٌ طويلٌ. قال: فإن حرمه؟ قال: ميتةٌ عاجلةٌ.
أشدّ العيوب
من أشد عيوبِ الإنسانِ خفاءً عيوبهُ عليه. فإن من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسنُ غيره، ومن خفي عليه عيبُ نفسه ومحاسنُ غيرهِ فلن يقلعَ عن عيبهِ الذي لا يعرفُ ولن ينال محاسنَ غيرهِ التي لا يبصرُ أبدًا.
خمولُ الذكر أجملُ من الذكرِ الذميم.
لا يوجد الفخورُ محمودًا، ولا الغضوبُ مسرورًا، ولا الحر حريصًا، ولا الكريمُ حسودًا، ولا الشرهُ غنيًا، ولا الملولُ ذا إخوانٍ.
خصالٌ يسرُ بها الجاهلُ، كلها كائنٌ عليهِ وبالًا: منها، أن يفخر من العلمِ والمروءةِ بما ليس عندهُ ومنها، أني أرى بالأخيار من الاستهانة والجفوةِ ما يشمتهُ بهم. ومنها، أن يناقل عالمًا وديعًا منصفًا لهُ في القولِ فيشتد صوتُ ذلكَ الجاهلِ عليه ثم يفلجهُ نظراؤهُ من الجهالِ حولهُ بشدةٍ الصوت.
ومنها، أن تفرطَ منهُ الكلمةُ أو الفعلةُ المعجبةُ للقومِ فيذكر بها.
ومنها، أن يكون مجلسهُ في المحفلِ وعند السلطانِ فوق مجالسِ أهل الفضلِ عليهِ.
من الدليلِ على سخافةِ المتكلمِ أن يكون ما يُرى من ضحكه ليس على حسبِ ما عندهُ من القولِ، أو الرجلُ يكلّمُ صاحبهُ فيُجاذبهُ الكلام ليكونَ هو المتكلم، أو يتمنى أن يكون صاحبهُ قد فرغَ وأنصت لهُ فإذا نصتَ لهُ لم يحسنِ الكلامَ.
فضلُ العلمِ في غير الدينِ مهلكةٌ، وكثرةُ الأدبِ في غيرِ رضوانِ الله ومنفعةِ الأخبارِ قائدٌ إلى النارِ.