الصفحة 5 من 28

كلامُ اللبيبِ، وإن كان نزرًا، أدبٌ عظيمٌ، ومقارفةُ المأثم، وإن كان محتقرًا، مصيبةٌ جليلةٌ. ولقاءُ الإخوانِ، وإن كان يسيرًا، غنم حسنٌ.

قد يسعى إلى أبوابِ السلطانِ أجناسٌ من الناسِ كثيرٌ، أما الصالحُ فمدعو، وأما الصالحُ فمقتحم، وأما ذو الأدبِ فطالبٌ، وأما من لا أدبَ لهُ فمختلسٌ، وأما القوي فمُدافعٌ، وأما الضعيف فمدفوعٌ، وأما الحسنُ مستثيب، وأما المسيء فمستجير. فهو مجمعُ البر والفاجر، والعالمِ والجاهلِ، والشريفِ والوضيعِ.

الناسُ، إلا قليلًا ممن عصم اللهُ، مدخولونَ في أمورهم: فقائلهم باغٍ، وسامعهم عيابٌ، وسائلهم متعنتٌ، ومجيبهم متكلفٌ، وواعظُهمُ غيرُ محققٍ لقولهِ بالفعلِ، وموعوظهم غير سليمٍ من الاستخفافِ، والأمينُ منهم غيرُ متحفظٍ من إتيان الخيانة، والصدوقُ غيرُ محترسٍ من حديث الكذبةِ، وذو الدينِ غيرُ متورعٍ عن تفريطِ الفجرةِ، والحازمُ منهم غيرُ تاركٍ لتوقعِ الدوائرِ.

يتناقضُون الأنباء، ويتراقبون الدول، ويتعايبونَ بالهمز، مولعونَ في الرخاء بالتحاسدِ، وفي الشدةِ بالتخاذُلِ.

كم قد انتزعتِ الدنيا ممنِ استمكنَ منها واعتكفت لهُ فأصبحتِ الأعمالُ أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم، وخرجوا إلى من لا يعذُرُهُم.

فأصبحنا خلفًا من بعدهم، نتوقعُ مثل الذي نزلَ بهم، فنحنُ إذا تدبرنا أمورهم، أحقاءُ أن ننظر ما نغبطهم به فنتبعهُ وما نخافُ عليهم منه فنجتنبهُ.

كان يُقالُ إنّ الله تعالى قد يأمرُ بالشيء ويبتلي بثقلهِ ونهى عن الشيء ويبتلي بشهوته.

فإذا كنتَ لا تعملُ من الخير إلا ما اشتهيتهُ، ولا تتركُ من الشر إلا ما كرهتهُ، فقد أطلعتَ الشيطان على عورتك، وأمكنتهُ من رمتك، فأوشك أن يقتحم عليك فيما تُحب من الخير فيكرههُ إليكَ وفيما تكرهُ من الشر فيحببهُ إليك. ولكن ينبغي لكَ في حب ما تُحب من الخير التحاملُ على ما ستثقلُ منه، وينبغي لكَ في كراهةِ ما تكرهُ من الشر التجنبُ لما يحب منهُ.

الدنيا زخرفٌ يغلبُ الجوارحَ، ما لم تغلبهُ الألبابُ. والحكيمُ من يغضي عنهُ ولم يشغل به قلبهُ: اطلعَ من أدناهُ فيما وراءهُ، وذكر لواحقَ شرهِ فأكلَ مرهُ وشربَ كدرهُ ليحلو لي لهُ ويصفو في طلوٍ من إقامةِ العيش الذي يبقى ويدومُ، غيرَ عائفٍ للرشدِ إن لم يلقهُ برضاهُ، ولم يأتهِ من طريقٍ هواهُ.

لا تألفِ المستوخم، ولا تُقِمْ على غيرِ الثقةِ.

قد بلغ فضل الله على الناس من السعة وبلغت نعمتهُ عليهم من السبوغ ما لو أن أخسهم حظًا وأقلهم منهُ نصيبًا وأضعفهم علمًا وأعجزهم عملًا وأعياهم لسانًا بلغ من الشكر له والثناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته، ما بلغ لهُ منه أعظمهم حظًا وأوفرهم نصيبًا وأفضلهم علمًا وأقوالهم عملًا وأبسطهم لسانًا، لكان عما استوجب الله عليه مقصرًا وعن بلوغِ غايةِ الشكر بعيدًا.

ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمهِ والثناء عليه والتحميد لهُ، فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عندهُ والوسيلة إليه والمزيد فيما شكرهُ عليه من خير الدنيا، وحسن ثوابِ الآخرة.

أفضلُ ما يعلم به علم ذي العلم وصلاحُ ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لسحنِ ثوابه في المعادِ إليه، وأن يبينَ الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه، و أن يورث ذلك أهلهُ ومعارفهُ ليلحقهُ أجرهُ من بعد الموتِ.

الدينُ أفضل المواهبِ التي وصلت من الله إلى خلقهِ، وأعظمها منفعةً، وأحمدُها في كل حكمةٍ، فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنةِ الجهال على جهالتهم بهما وعماهُم عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت