وإنما الرأي لهُ وحقُ عليهِ أن يأخذ لعملهِ من جميعِ شغله، فيأخذ لهُ من طعامهِ وشرابهِ ونومهِ وحديثهِ ولهوهِ ونسائهِ.
وإنما تكون الدعةُ بعد الفراغِ.
فإذا تقلدت شيئًا من مرِ السلطان فكن فيه أحد رجلينِ: إما رجلا مغتبطًا به، محافظًا عليهِ مخافة أن يزول عنهُ، وإما رجلًا كارهًا عليهِ. فالكارهُ عاملٌ في سخرةٍ: إما للملوكِ، إن كانوا هم سلطوهُ، وإما لله تعالى، إن كان ليس فوقهُ غيرهُ.
وقد علمتَ أنه من فرط في سخرةِ الملوكِ أهلكوهُ. فلا تجعل للهلاكِ على نفسكَ سلطانًا ولا سبيلًا.
وإياكَ إذا كُنتَ واليًا، أن يكونَ من شأنك حبّ المدحِ والتزكية وأن يعرفَ الناسُ ذلك منكَ، فتكونَ ثلمة من الثلم يتقحمونَ عليك منها، وبابًا يفتتحونك منهُ، وغيبةً يغتابونك بها ويضحكون منك لها.
واعلم أن قابل المدحِ كمادحِ نفسهِ. والمرءُ جديرٌ أن يكونَ حبهُ المدحَ هو الذي يحملهُ على ردهِ. فإن الرادّ لهُ محمودٌ، والقابل له معيبٌ.
لتكن حاجتُكَ في الولاية إلى ثلاثة خصالٍ: رضي ربكَ ورضى سلطانٍ، إن كانَ فوقك، ورضى صالحِ من تلي عليهِ.
ولا عليكَ أن تلهو عن المالِ والذكرِ، فسيأتيك منهُما ما يحسنُ ويطيبُ ويُكتفى به.
واجعلِ الخصالَ الثلاثَ منكَ بمكان ما لا بد لك منهُ. واجعل المال والذكر بمكانٍ ما أنتَ واجدٌ منهُ بدًا.
اعرف الفضل في أهل الدينِ والمروءةَ في كل كورةٍ وقريةٍ وقبيلةٍ. فيكونوا هم إخوانكَ وأعوانك وأخدانكَ وأصفياءك وبطانتك وثقاتكَ وخلطاءكَ. ولا تقذفن في روعك أنك إن استشرت الرجال ظهر للناسِ منكَ الحاجةُ إلى رأي غيركَ، فإنكَ لست تريدُ الرأي للافتخارِ به، ولكنما تُريدُهُ للانتفاع بهِز ولو أنكَ مع ذلك أردت الذكر، كان أحسنَ الذاكرينِ وأفضلهما عند أهلِ الفضلِ والعقلِ أن يقالَ: لا يتفردُ برأيهِ دونَ استشارةِ ذوي الرأي إنك إن تلتمس رضى جميع الناس تلتمس ما لا يدركُ.
وكيف يتفقُ لك رأي المختلفينَ، وما حاجتكَ إلى رضى من رضاهُ الجورُ، وإلى موافقةِ من موافقتهُ الضلالةُ والجهالةُ؟ فعليك بالتماسِ رضى الأخيارِ منهم وذوي العقلِ. فإنك متى تصب ذلك تضع عنكَ مؤونة ما سواهُ.
لا تُمكن أهل البلاء الحسنِ عندك من التدللِ عليكَ، ولا تمكنن من سواهمُ من لاجتراء عليهم والعيبِ لهم.
لتعرف رعيتكَ أبوابكَ التي لا ينالُ ما عندكَ من الخيرِ إلا بها، والأبوابَ التي لا يخافكَ خائفٌ إلا من قبلها.
احرصِ الحرص كلهُ على أن تكونَ خابرا أمور عمالكَ، فإن المسيء يفرقُ من خبرتكَ قبل أن تُصيبهُ عقوبتكَ، وإن المحسنَ يستبشرُ بعلمكَ قبلَ أن يأتيهُ معرُوفكَ.
ليعرفِ الناسُ، في ما يعرفونَ من أخلاقك، أنك لا تُعاجلُ بالثوابِ ولا بالعقابِ، فإن ذلك أدومُ لخوفٍ الخائفِ ورجاء الراجي.
عود نفسك الصبر على من خالفكَ من ذوي النصيحة، والتجرع لمرارةِ قولهم وعذلهم، ولا تسهلن سبيلَ ذلك إلا لأهلِ العقلِ والسن والمروءةِ، لئلًا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيهٌ أو يستخفُ به شانئ.
لا تتركن مُباشرة جسيمِ أمركَ فيعودَ شأنكَ صغيرًا، ولا تُلزمن نفسكَ مباشرةَ الصغيرِ، فيصيرَ الكبيرُ ضائعًا.
وأعلم أن مالكَ لا يغني الناسَ كلهم فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيقُ العامة كلها فتوخ بها أهل الفضلِ، وأن قلبكَ لا يتسعُ لكل شيء ففرغه للمهم، وأن ليلكَ ونهاركَ لا يستوعبان حاجاتكَ، وإن دأبت فيهما، وأن ليس لك إلى إدامة الدأب فيهما سبيلٌ مع حاجةِ جسدك إلى نصيبهِ منهما فأحسن قسمتهُما بين عملك ودعتكَ.
واعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم أزرى بكَ في المهم، وما صرفتَ من مالكَ في الباطلِ فقدتهُ حينَ تُريدهُ للحقّ، وما عدلتَ به من كرامتك إلى أهلِ النقصِ أضر بكَ في العجزِ عن أهلِ الفضلِ، وما شغلتَ من ليلكَ ونهاركَ في غير الحاجةِ أزرى بكَ عند الحاجةِ منكَ إليهِ.