ولا يُعجبنكَ إكرامهم إياكَ للنسب، فإنّ الأنسابَ أقل مناقبِ الخير غناءً عن أهلها في الدينِ والدنيا.
ولكن إذا أكرمتَ على دينٍ أو مروءةٍ فذلكَ فليعجبكَ! فإن المروءةَ لا تزايلكَ في الدنيا. وإن الدينَ لا يزايلكَ في الآخرةِ.
الجبن والرص مقتلة ومحرمة
فانظر في ما رأيتَ أو سمعتَ: أمن قتلَ في القتالِ مقبلًا أكثر أم من قتلَ مدبرًا؟ وانظر أمن يطلبُ إليكَ بالإجمالِ والتكرمِ أحق أن تسخو نفسكَ له بطلبتهِ أم من يطلبُ إليكَ بالشرهِ والزيغِ؟ اعلم أنهُ ليس كلُ من كان لكَ فيه هوى، فذكرهُ ذاكرٌ بسوء وذكرتهُ أنتَ بخيرٍ ينفعهُ ذلكَ. بل عسى أن يضرهُ.
فلا يستخفنكَ ذكر أحدٍ من صديقكَ أو عدوك إلا في مواطنِ دفعٍ أو محاماةٍ. فإن صديقكَ أو عدوكَ إلا في مواطنِ دفعٍ أو محاماةٍ. فإن صديقكَ إذا وثق بكَ في مواطنِ المحاماةِ لم يحفلِ بما تركَ مما سوى ذلكَ، ولم يكن لهُ عليكَ سبيلُ لائمةٍ.
وإن من أحزمِ الرأي لكَ في أمرِ عدوكَ ألا تذكرهُ إلى حيث تضُرهُ. وألا تعُد يسيرَ الضررِ لهُ ضررًا.
اعلم أن الرجل قد يكونُ حليمًا، فيحملهُ الحرصُ على أن يقولَ الناسُ جليدٌ، والمخافةُ أن يقالَ مهينٌ على أن تتكلفَ الجهل. وقد يكونُ الرجلُ زميتًا فيحملهُ الحرصُ على أن يقالَ لسنٌ، والمخافةُ من أن يقالَ عيي على أن يقولَ في غيرِ موضعهِ فيكونَ هذرًا.
فاعرف هذا وأشباهه، واحترس منهُ كلهِ.
نزاهة العرض وبقاء العزّ
إذا بدهكَ أمرانِ لا تدري أيهما أصوبُ فانظر أيهُما أقربُ إلى هواكَ فخالفهُ، فإن أكثر الصوابِ في خلافِ الهوى.
وليجتمع في قلبكَ الافتقارُ إلى الناسِ والاستغناء عنهم، وليكنِ افتقاركَ إليهم في لينِ كلمتكَ لهم، وحسنِ بشركَ بهم. وليكنِ استغناؤكَ عنهم في نزاهةِ عرضكَ وبقاء عزكَ.
لا تُجالسِ امرأ بغيرِ طريقتهِ، فإنكَ إن أردتَ لقاءَ الجاهلِ بالعلمِ، والجافي بالفقهِ، والعيي بالبيانِ لم تزد على أن تضيعَ علمكَ وتؤذي جليسكَ بحملكَ عليهِ ثقل مالا يعرفُ وغمكَ إياهُ بمثلِ ما يغتم بهِ الرجلُ الفصيحُ من مخاطبةِ الأعجمي الذي لا يفقهُ عنهُ.
واعلم أنه ليس من علمٍ تذكرهُ عند غيرِ أهلهِ إلا عابوه، ونصبوا لهُ ونقضوهُ عليكَ، وحرصوا على أن يجعلوهُ جهلًا، حتى إنّ كثيرًا من اللهو واللعبِ الذي هو أخفُ الأشياء على الناسِ ليحضرهُ من لا يعرفهُ فيثقُلُ عليهِ ويغتم به.
وليعلم صاحبكَ أنكَ تشفقُ عليهِ وعلى أصحابهِ، وإياكَ إن عاشركَ امرؤ أو رافقكَ أن لا يرى منكَ بأحدٍ من أصحابهِ وإخوانهِ وأخدانهِ رأفةً، فإنّ ذلكَ يأخذُ من القلوبِ مأخذًا. وإن لطفكَ بصاحبِ صاحبكَ أحسنُ عندهُ موقعًا من لطفكَ بهِ في نفسهِ.
واتقِ الفرحَ عندَ المحزونِ، واعلم أنهُ يحقدُ على المنطلقِ ويشكرُ للمكتئبِ.
اعلم أنكَ ستسمع من جلسائك الرأي والحديثَ تنكرهُ وتستجفيهِ وتستشنعُهُ بهِ عن نفسهِ أو غيرهِ، فلا يكونن منكَ التكذيبُ ولا التسخيفُ لشيءٍ مما يأتي به جليسك. ولا يجرئنكَ على ذلكَ أن تقولَ: إنما حدثَ عن غيرهِ، فإن كل مردودٍ عليهِ سيمتعضُ من الرد. وإن كانَ في القومِ من تكرهُ أن يستقر في قلبهِ ذلك القولُ، لخطأ تخافُ أن يعقدَ عليه، أو مضرةٍ تخشاها على أحدٍ فإنكَ قادرٌ على أن تنقضَ ذلك في سترٍ، يكونَ ذلك أيسرَ للنقضِ وأبعدَ للبعضةِ.
ثم اعلم أن البغضةَ خوفٌ، وأن المودةَ أمنٌ، فاستكثر من المودةِ صامتًا، فإنّ الصمت سيد عوها إليكَ. إذا ناطقتَ فناطق بالحسنى، فإن المنطق الحسنَ يزيدُ في ود الصديق ويستل سخيمةَ الوغرِ.
واعلم أن خفضَ الصوتِ وسكون الريحِ ومشي القصدِ من دواعي المودةِ، إذا لم يخالط ذلك بأو ولا عجبٌ. أما العجبُ فهو من دواعي المقتِ والشنآن.