الصفحة 12 من 28

فكان صاحبُ الدين منهمُ أبلغ في أمر الدينِ علمًا وعملًا من صاحبِ الدين منا، وكان صاحبُ الدنيا على مثلِ ذلك من البلاغةِ والفضلِ.

ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضلِ الذي قسم لأنفسهم حتى أشركونا معهم في ما أدركوا من علمِ الأولى والآخرةِ فكتبوا به الكتبَ الباقية، وضربوا الأمثالَ الشافيةَ، وكفونا به مؤونة التجارب والفطنِ.

وبلغَ من اهتمامهم بذلكَ أن الرجلَ منهم. كان يفتحُ له البابُ من العلم، أو الكلمة من الصوابِ وهو في البلد غير المأهولِ فيكتبهُ على الصخورِ مبادرةً للأجلِ وكراهية منهُ أن بسقط ذلك عمن بعدهُ.

فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالدِ الشفيقِ على ولدهِ، الرحيمِ البر بهم، الذي يجمعٌ لهمُ الأموال والعقد إرادة ألا تكون عليهم مؤونة في الطلبِ، وخشيةَ عجزهم، إن هم طلبوا.

فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمانِ أن يأخذ من علمهم، وغايةُ إحسانِ محسننًا أن يفتدي بسيرتهم.

وأحسنُ ما يصيبُ من الحديث مُحدثنا أن ينظر في كتبهم فيكونَ كأنه إياهم يحاورُ، ومنهم يستمعُ، وآثارهم يتبع.

غير أن الذي نجد في كبتهم هو المنتخل من آرائهم والمنتقى من أحاديثهم.

ولم نجدهم غادروا شيئًا يجدُ واصفٌ بليغٌ في صفةٍ له مقالًا لم يسبقوهُ إليه: لا في تعظيم للهِ، عزّ وجلّ، وترغيبٍ فيما عندهُ، ولا في تصغيرٍ للدنيا وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلمِ وتقسيمِ أقسامها وتجزئةِ أجزائها وتوضيحِ سبلها وتبيينِ مآخذها، ولا في وجهٍ من وجوهِ الأدبِ وضروبِ الأخلاقِ.

فلم يبق في جليلِ الأمر ولا صغيرةِ لقائلٍ بعدهم مقالٌ.

وقد بقيت أشياءُ من لطائفِ الأمورِ فيها مواضعُ لصغارِ الفطنِ، مشتقةٌ من جسام حكمِ الأولينَ وقولهم، فمن ذلك بعضُ ما أنا كاتبٌ في كتابي هذا من أبوابِ الأدبِ التي يحتاجُ إليها الناسُ.

يا طالبَ الأدبِ إن كنتَ نوعَ العلمِ تريدُ فاعرفِ الأصولَ والفصول. فإن كثيرًا من الناسِ يطلبونًَ الفصول مع إضاعةِ الأصول فلا يكونُ دركهم دركًا. ومن أحرز الأصول اكتفى بها عنِ الفصولِ. وإن أصابَ الفصل بعد إحرازِ الأصلِ فهو أفضلُ.

فأصل الأمرِ في الدينِ أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنبَ الكبائرَ، وتُؤدي الفريضةَ. فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنهُ طرفهَ عينٍ، ومن يعلم أنهُ إن حرمهُ هلك. ثم إن قدرتَ على أن تجاوز ذلك إلى التفقه في الدين والعبادة فهو أفضلُ وأكملُ وأصلُ الأمرِ في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكلِ والمشارب والباهِ إلا خُفاقًا، ثم إن قدرت على أن تعلم جميعَ منافعِ الجسد ومضارهِ والانتفاع بذلك كله فهو أفضلُ.

وأصلُ الأمر في البأسِ والشجاعةِ ألا تُحدثَ نفسك بالإدبارِ، وأصحابكَ مقبلونَ على عدوهم. ثم إن قدرت على أن تكونَ أولِ حاملٍ وآخر منصرفٍ، من غير تضييعٍ للحذرِ فهو أفضلُ.

وأصلُ الأمرِ في الجودِ ألا تضن بالحقوق على أهلها. ثم إن قدرتَ أن تزيدَ ذا الحق على حقه وتطول على من لا حق لهُ فافعل فهو أفضلُ.

وأصلُ الأمرِ في الكلامِ أن تسلم من السقطِ بالتحفظِ. ثم إن قدرت على بارعِ الصوابِ فهو أفضلُ.

وأصلُ الأمر في المعيشة ألا تني عن طلبٍ الحلالِ، وأن تحسن التقدير لما تفيد وما تنفقُ. ولا يغرنكَ من ذلك سعةٌ تكونُ فيها. فإن أعظمَ الناسِ في الدنيا خطرًا أحوجهم إلى التقدير، والملوكُ أحوجُ إليهِ من السوقةِ لأن السوقة قد تعيشُ بغيرِ مالٍ، والملوكَ لا قوام لهم إلا بالمالِ. ثم إن قدرتَ على الرفقِ واللطفِ في الطلبِ والعلمِ بوجوهِ المطالبِ فهو أفضلُ.

وأنا واعظُكَ في أشياء من الأخلاقِ اللطيفةِ والأمورِ الغامضةِ التي لو حنكتك سنٌ كنتَ خليقًا أن تعلمها، وإن لم تخبر عنها. ولكنني قد أحببتُ أن أقدمَ إليكَ فيها قولًا لتروض نفسك على محاسنها قبل أن تجري على عادةِ مساوئها. فإن الإنسانَ قد تبتدرُ إليهِ في شبيبتهِ المساوئ، وقد يغلبُ عليه ما بدر إليه منها للعادةِ، وإن لترك العادةِ مؤونةً شديدةً ورياضةً صعبةً.

إذا ابتُليت بالسلطان تعوذ بالعلماء

إن ابتُليتَ بالسلطان فتعوذ بالعلماء.

واعلم أن من العجبِ أن يبتلى الرجلُ بالسلطان فيريد أن ينتقص من ساعات نصبهِ وعملهِ فيزيدها في ساعاتِ دعتهِ وفراغهِ وشهوتهِ وعبثه ونومهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت