الصفحة 25 من 28

فتعهد من ذلك في نفسكَ خصلةً قد رأيتها تعتري بعضَ أصحابِ الأعمالِ. وذلكَ أن الرجالَ يكونُ في أمرٍ من أمرهِ، فيردُ عليهِ شغلٌ أخرُ، أو يأتيهِ شاغلٌ من الناسِ يكدرهُ إتيانهُ فيكدرُ ذلكَ بنفسهِ تكديرًا يفسدُ ما كان فيه وما وردَ عليهِ، حتى لا يُحكمَ واحدًا منهُما. فإذا وردَ عليكَ مثلُ ذلكَ فليكن معكَ رأيكَ وعقلكَ اللذانِ بهما تختارُ الأمورَ، ثم اختر أولى الأمرين بشغلكَ، فاشتغل بهِ حتى فرغ منهُ. ولا يعظُمن عليكَ فوتُ ما فاتَ وتأخيرُ ما تأخر إذا أعملتَ الرأي معملهُ وجعلتَ شغلك في حقهِ، واجعل لنفسكَ في كل شغلٍ غايةً ترجو القوةَ والتمامَ عليها.

اعلم أنكَ إن جاوزتَ الغايةَ في العبادةِ صرتَ إلى التقصيرِ، وإن جاوزتها في حملِ العلمِ لحقتَ بالجهالِ، وإن جاوزتها في تكلفِ رضى الناسِ والخفةِ معهم في حاجاتهم كنتَ المحشود المصنع.

واعلم أن بعضَ العطيةِ لؤمٌ، وبعضَ السلاطةِ غيمٌ، وبعض البيانِ عي، وبعض العلمِ جهلٌ. فإن استطعتَ ألا يكون عطاؤك جورًا، ولا بيانُكَ هذرًا، ولا علمكَ وبالًا، فافعل.

اعلم أنه ستمر عليكَ أحاديثُ تُعجبكَ: إما مليحةٌ وإما رائعةٌ.

فإذا أعجبتكَ كنتَ خليقًا أن تحفظها، فإن الحفظ موكلٌ بما ملُح وراعَ. وستحرصُ على أن تعجبَ منها الأقوامُ. فإن الحرصَ على ذلك التعجبِ من شأنِ الناسِ. وليس كل معجبٍ لكَ معجبًا لغيركَ.

فإذا نشرتَ ذلك المرةَ والمرتينِ، فلم ترهُ وقعَ من السامعينَ موقعهُ منكَ فازدجر عن العودةِ. فإن العجبَ من غيرِ عجيبٍ سخفٌ شديد.

وقد رأينا من الناسِ من يعلقُ الشيء ولا يُقلعُ عنهُ وعنِ الحديثِ بهِ، ولا يمنعُهُ قلةُ قبولِ أصحابهِ لهُ من أن يعودَ إليه ثم يعودَ.

ثم انظر الأخبار الرائعةَ فتحفظ منها. فإن الإنسان من شأنه الحرصُ على الأخبارِ، ولا سيما ما راعَ منها، فأكثرُ الناسِ من يحدثُ بما سمع، ولا يبالي ممن سمعَ. وذلك مفسدةٌ للصدقِ ومزراةٌ بالمروءةِ، فإن استطعتَ ألا تخبرَ بشيء إلا وأنتَ بهِ مصدقٌ، ولا يكونُ تصديقكَ إلا ببرهانٍ، فافعل. ولا تقل كما يقولُ السفهاء: أخبرُ بما سمعتُ. فإنّ الكذب أكثرُ ما أنتَ سامعٌ، وإن السفهاء أكثرُ من هو قائلٌ. وإنك إن صرتَ للأحاديثِ واعيًا وحاملًا كان ما تعي وتحملُ عن العامةِ أكثر مما يخترعُ المخترعُ بأضعافٍ.

انظر من صاحبتَ من الناسِ: من ذي فضلٍ عليكَ بسلطانٍ أو منزلةٍ، أو من دونَ ذلك من الأكفاء والخلطاء والإخوانِ، فوطن نفسكَ في صُحبتهِ على أن تقبل منهُ العفوَ وتسخو نفسكَ عما اعتاص عليكَ مما قبلهُ، غير مُعاتبٍ ولا مستبطئ ولا مستزيدٍ. فإن المُعاتبةَ مقطعةٌ للودّ، وإن الاستزادة من الجشعِ، وإن الرضا بالعفوِ والمُسامحةِ في الخلقِ مقربٌ لكَ كل ما تشوقُ إليهِ نفسكَ مع بقاء العرضِ والمودةِ والمروءةِ.

واعلم أنكَ ستبلى من أقوامٍ بسفهٍ، وأن سفهِ السفيهِ سيُطلعُ لهُ منكَ حقدًا، فإن عارضتهُ أو كافأتهُ بالسفهِ فكأنكَ قد رضيتَ ما أتى بهِ، فأحببتَ أن تحتذي على مثالهِ. فإن كانَ ذلك عندكَ مذمومًا فحقق ذمك إياهُ بتركِ معارضتهِ. فأما أن تذمهُ وتمتثلهُ فليس في ذلك لك سدادٌ.

لا تصاحب أحدًا إلا بمروءة

لاتصاحبن أحدًا، وإن استأنستَ بهِ أخًا ذا قرابةٍ أو أخًا ذا مودةٍ، ولا والدًا ولا ولدًا إلا بمروءةٍ، فإنّ كثيرًا من أهلِ المروءةِ قد يحملهمُ الاسترسالُ والتبذلُ على أن يصحبوا كثيرًا من الخلطاء بالإدلالِ والتهاونِ والتبذلِ.

ومن فقدَ من صاحبهِ صحبةَ المروءةِ ووقارها وجلالها أحدثَ ذلكَ لهُ في قلبهِ رقةَ شأنٍ وسخفَ منزلةٍ.

ولا تلتمس غلبةَ صاحبكَ والظفر عليه عند كل كلمةٍ ورأي ولا تجترئن على تقريعهِ يظفركَ إذا استبانَ، وحُجتكَ عليه إذا وضحت.

فإن أقوامًا قد يحملهم حب الغلبةِ وسفهُ الرأي في ذلكَ على أن يتعقبوا الكلمةَ بعدما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجةَ، ثم يستطيلوا بها على الأصحابِ. وذلكَ ضعفٌ في العقلِ ولؤمٌ في الأخلاقِ.

لا يُعجبنكَ إكرامُ من يكرمكَ لمنزلةٍ أو لسلطانٍ، فإن السلطانَ أوشك أمورِ الدنيا زوالًا. ولا يُعجبنكَ إكرامُ من يكرمكَ للمالِ، فإنهُ هو الذي يتلو السلطانَ في سرعةِ الزوالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت