لا يعرفنكَ الولاة بالهوى في بلدٍ من البلدانِ ولا قبيلةٍ من القبائلِ، فيوشكَ أن تُحتاجَ فيهما إلى حكايةٍ أو شهادةٍ، فتُتهمَ في ذلك.
فإذا أردت أن يُقبلَ قولكَ فصحح رأيكَ ولا تشوبنهُ بشيءٍ من الهوى، فإن الرأي الصحيحَ يقبلهُ منكّ العدو، والهوى يردهُ عليكَ الولدُ والصديقُ.
وأحقُّ منِ احترستَ من أن يظُنّ بكَ خلطَ الرأي بالهوى الولاةُ، فإنها خديعةٌ وخيانةٌ وكفرٌ عندهم.
إن ابتليتَ بصحبةِ والٍ لا يُريدُ صلاحَ رعيتهِ فاعلم أنكَ قد خيرتَ بين خلتينِ ليس منهما خيارٌ: إما الميلُ مع الوالي على الرعيةِ، وهذا هلاكُ الدينِ.
وإما الميلُ مع الرعيةِ على الوالي، وهذا هلاكُ الدنيا، ولا حيلةَ لكَ إلا الموتُ أو الهربُ.
واعلم أنهُ لا ينبغي لكَ، وإن كانَ الوالي غيرَ مرضي السيرةِ إذا علقت حبالكَ بحبالهِ، إلا المحافظةُ عليهِ، إلا أن تجد إلى الفراقِ الجميلِ سبيلًا.
تبصر ما في الوالي من الأخلاقِ التي تحبّ له والتي تكرهُ، وما هو عليهِ من الرأي الذي ترضى لهُ والذي لا ترضى. ثم لا تكابرنهُ بالتحويلِ لهُ عما يُحبّ ويكرهُ إلى ما تحبَ وتكرهُ. فإنّ هذه رياضةٌ صعبةٌ تحملُ على التنائي والقلى.
فإنكَ قلما تقدرُ على ردّ رجلٍ عن طريقةٍ هو عليها بالمكابرة والمناقضةِ، وإن لم يكن ممن يتجمحُ بهِ عز السلطانِ. ولكنكَ تقدرُ على أن تعينهُ على أحسنِ رأيهِ، وتُسددهُ فيه وتزينهُ، وتقويهُ عليهِ، فإذا قويت منهُ المحاسن كانت هي التي تكفيكَ المساوئ. وإذا استحكمت منهُ ناحيةٌ من الصوابِ كان ذلكَ الصوابُ هو الذي يبصرهُ مواقعَ الخطأ بألطف من تبصيركَ وأعدل من حكمكَ في نفسهِ. فإن الصوابَ يؤيدُ بعضهُ بعضًا ويدعو بعضهُ إلى بعضٍ حتى تستحكم لصاحبهِ الأشياءُ، ويظهرَ عليها بتحكيمِ الرأي، فإذا كانت لهُ مكانةٌ من الأصالةِ اقتلعَ ذلك الخطأ كلهُ.
فاحفظ هذا الباب وأحكمهُ.
لا يكونن طلبكَ ما عند الوالي بالمسألةِ، لا تستبطئهُ، وإن أبطأ عليكَ. وليس أطلبُ ما قبلهُ بالاستحقاق لهُ، واستأنِ به وإن طالتِ الأناةُ منهُ. فإنك إذا استحققتهُ أتاكَ عن غيرِ طلبٍ، وإن لم تستبطئهُ كان أعجلَ لهُ.
لا تخبرنَ الوالي أن لكَ عليهِ حقًا، وأنكَ تعتد عليهِ ببلاء وإنِ استطعتَ ألا ينسى حقك وبلاءك فافعل. وليكن ما يذكره بهِ من ذلك تجديدكَ لهُ النصيحةَ والاجتهادَ، وألا يزالَ ينظرُ منكَ إلى آخرٍ يذكرهُ أول بلائكَ.
واعلم أن السلطانَ إذا انقطعَ عنهُ الآخرُ نسي الأولَ، وأن الكثير من أولئكَ أرحامهم مقطوعةٌ وحبالهم مصرومةٌ، إلا عمن رضوا عنهُ وأغنى عنهم في يومهم وساعتهم.
إياك أن يقع في قلبك تعتبٌ على الوالي أو استزراءٌ لهُ.
فإنهُ إن وقعَ في قلبك بدا في وجهكَ، إن كنت حليمًا، وبدا على لسانكَ، إن كنتَ سفيهًا.
فإن لم يزد ذلكّ على أن يظهر في وجهكَ لآمنِ الناس عندك فلا تأمنن أن يظهرّ ذلك للوالي.
فإنّ الناس إلى السلطان بعوراتِ الإخوانِ سراعٌ، فإذا ظهر ذلك للوالي كان قلبهُ هو أسرع إلى النفورِ والتغيرِ من قلبكَ فمحقَ ذلك حسناتكَ الماضية، وأشرفَ بكَ على الهلاك، وصرتَ تعرفُ أمركَ مستدبرًا وتلتمسُ مرضاةَ سلطانك مستصعبًا.
ولو شئت كنتَ تركتهُ راضيًا وازددت من رضاهُ دُنُوًا.
اعلم أن أكثرَ الناسِ عدوًا جاهدًا حاضرًا جريئًا واشيًا وزيرُ السلطانِ ذو المكانةِ عندهُ. لأنهُ منفوسٌ عليه مكانهُ بما ينفسُ على صاحبِ السلطانِ. لأن من حاسديه أحباءً السلطانِ وأقاربهُ الذين يشاركونهُ في المداخلِ والمنازلِ. وهم وغيرهم من عدوهِ الذينَ هم حضارهُ ليسوا كعدو السلطانِ النائي عنهُ والمكتتمِ منهُ. وهم لا ينقطعُ طمعهم من الظفر بهِ، فلا يغفلونَ عن نصبِ الحبائلِ لهُ.
فاعرف هذهِ الحالَ، والبس لهؤلاء القومِ الذينَ هم أعداؤكَ سلاحَ الصحةِ والاستقامة ولزومَ المحجةِ فيما تسر وتعلنُ. ثم روح عن قلبك حتى كأنكَ لا عدو لك ولا حاسدَ.
وإن ذكرك ذاكرٌ عند السلطانِ بسوء في وجهكَ أو في عينيكَ فلا يرين السلطانُ ولا غيرهُ منكَ اختلاطًا لذلك ولا اغتياظًا ولا ضجرًا.