قد رأينا من سوء المجالسةِ أن الرجل تثقلُ عليهِ النعمةُ براها بصاحبهِ، فيكون ما يشتفي بصاحبهِ، في تصغيرِ أمرهِ وتكديرِ النعمةِ عليه، أن يذكر الزوالَ والفناء والدولَ، كأنهُ واعظٌ وقاص. فلا يخفى ذلك على من يعنى بهِ ولا غيرهِ. ولا ينزلُ قولهُ بمنزلةِ الموعظةِ والإبلاغِ، ولكن بمنزلةِ الضجرِ من النعمةِ، إذا رآها لغيرهِ، والاغتمامِ بها والاستراحةِ إلى غير روحِ.
وإني مخبركَ عن صاحبِ لي كانَ من أعظمِ الناسِ في عيني، وكان رأسُ ما أعظمه في عيني صغر الدنيا في عينهِ: كان خارجًا من سلطانِ بطنهِ، فلا يتشهى ما لا يجدُ، ولا يكثرُ إذا وجدَ. وكان خارجًا من سلطانِ فرجهِ، فلا يدعو إليه ريبةً، ولا يستخف له رأيًا ولا بدنًا. وكان خارجًا من سلطان لسانهِ، فلا يقولُ ما لا يعلمُ، ولا يُنازعُ في ما يعلمُ. وكان خارجًا من سلطانِ الجهالةِ، فلا يقدمُ أبدًا إلا على ثقةٍ بمنفعة.
كان أكثر دهرهِ صامتًا. فإذا نطق بذَّ الناطقينَ.
كان يرى متضاعفًا مستضعفًا، فإذا جاء الجد فهو الليثُ عاديًا.
كان لا يدخلُ في دعوى، ولا يشتركُ في مراءٍ، ولا يدلي بحجةٍ حتى يرى قاضيًا عدلًا وشهودًا عدولًا.
وكان لا يلوم أحدًا على ما قد يكون العذرُ في مثلهِ حتى يعلمَ ما اعتذارهُ.
وكان لا يشكو وجعًا إلا إلى من يرجو عندهُ البرء.
وكان لا يستشير صاحبًا إلى من يرجو عندهُ النصيحةِ.
وكان لا يتبرمُ، ولا يتسخطُ، ولا يشتهى، ولا يتشكى.
وكان لا ينقمُ على الولي، ولا يغفلُ عن العدو، ولا يخص نفسهُ دونَ إخوانهِ بشيءٍ من اهتمامهِ حيلتهِ وقوتهِ.
فعليكَ بهذه الأخلاقِ إن أطقت، ولن تطيق، ولكن أخذ القليلِ خيرٌ من تركِ الجميعِ.
واعلم أن خيرَ طبقاتِ أهل الدنيا طبقةٌ أصفها لكَ: من لم ترتفع عن الوضع ولم تتضع عن الرفيعِ.