فلا تنازع بين محذوفين نحو: زيدًا في جواب من ضربتَ وأكرمتَ؛ لأن الجواب على سَنَن السؤال، والأصل: ضربتُ زيدًا وأكرمتُ زيدًا، فذُكِر مفعول أحد العاملين المقدرين وحُذف مفعول الأخَر؛ من باب دلالة الأوائل على الأواخر أو العكس، لا من باب التنازع، يعني: لو قال في الجواب: زيدًا، كيف نُعربه؟
نقول: هذا إما أنه مفعولٌ به للأول ضربت، أو للثاني، والأحسن نجعله للثاني، فحينئذٍ صار مفعولًا لفعلٍ واحدٍ، والعامل الأخر ضربت نقدر له مفعولًا به، حُذف لدلالة الثاني عليه، للعلم به؛ لاتحاد محل الضرب والإكرام، فلما قال: من ضربتَ وأكرمت؟
قال: زيدًا، كأنه قال: أكرمت زيدًا، وضربت الثانية أين مفعولها؟ محذوف لدلالة المذكور عليه، إذًا لا يكون من باب التنازع.
ولا بين محذوف ومذكور، قسمة ثلاثية: مذكوران، محذوفان، أحدهما محذوف والثاني مذكور، ولا بين محذوف ومذكور، كقولك في جواب هذا السؤال السابق: أكرمتُ زيدًا، لو قال: من ضربتَ وأكرمتَ؟
قال: أكرمتُ زيدًا، ذكر أحد العاملين وحذف الأخر، حينئذٍ لا يكون من باب التنازع.
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَملْ
إذًا باتفاق أنه يجوزُ إعمال الأول دون الثاني، أو الثاني دون الأول، أنت بالخيار، أنت مخير بين هذا وذاك، ولكن الأولى أن يُجعل الثاني؛ لأنه قريب وكذلك ما ورد في القرآن -وهو أفصح الكلام- جاء فيه إعمال الثاني، ولم يُعمل فيه الأول.
(وَالثَّانِ) يعني: إعمال الثاني (أَوْلَى) من إعمال الأول (عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ) ؛ لقربه، لأنه قريب فهو أولى، (وَاخْتَارَ عَكْسًا) وهو إعمال الأول دون الثاني (غَيْرُهُمْ) هذا فاعل (اخْتَارَ) ، والمراد به الكوفيون.
كذلك مما استدل به البصريون على ترجيح الثاني: أنه لو أُعمل الأول لاحتجنا الإضمار، لو أُعمل الأول لفُصل بين العامل ومعموله بجملةٍ قبل تمامها؛ لأنك إذا قلت: قامَ وقعدَ زيدٌ أعملتَ الأول، قام زيدٌ، فصلت بينهما بجملة قبل تمام الجملة، يعني: عطفت على الأول قبل تمام الجملة، وهذا خلاف الأولى، خلاف القياس، إنما يعطف على الجملة بعد تمامها، قام زيد وقعد عمرو، هذا هو، وأما (قام) ثم تعطف عليه (وقعد) ، ثم تأتي بزيد وهو فاعل الأول هذا خلاف القياس.
قال الشارح: التنازع: عبارة عن توجه عاملين إلى معمول واحدٍ، يعني عاملين فأكثر إلى معمول واحد فأكثر، نحو ضربتُ وأكرمتُ زيدًا، تنازع عاملان كل منهما يطلب زيدًا على أنه مفعول له، فكل واحد من ضربت وأكرمت يطلب زيدًا بالمفعولية، وهذا معنى قوله: (إِنْ عَامِلاَنِ) إلى آخره، وقوله (قَبْلُ) معناه أن العاملين يكونان قبل المعمول كما مثلنا.
ومقتضاه: أنه لو تأخر العاملان لم تكن المسألة من باب التنازع، وفيه خلاف، لكن أكثر النحاة على أنها ليست من باب التنازع.
وقوله: (فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ) معناه أن أحد العاملين يعمل في ذلك الاسم الظاهر، والآخر يُهمَل عنه، ويعمل في ضميره، كما سيذكره المصنف.