التمييز من المنصوبات ليسَ في كل أحواله، وإنما في بعض أحواله, وهذا بناءً على إذا جَررنا التمييز هل يُسمى تمييزًا أو لا؟ المشهور أنه يُسمى تمييزًا, إذا قيل: قفيزُ برٍّ, برِّ جررناهُ .. يجوز فيه وجهان, شبرُ أرضٍ, شبرٌ أرضًا حينئذٍ نقول يجوز فيه الوجهان, إذا نصبناه لا شكّ أنه تمييز لأنه منصوب, وإذا جررناه - الوجه الآخر وهو جائز- هل يخرجُ بالجرِّ عن كونه تمييزًا أو لا؟ الجمهور لا, يُسمى تمييزًا, وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول التمييز من المنصوبات في بعضِ أحواله كالمستثنى, وإذا قيلَ بأنه لا يُسمى تمييزًا حينئذٍ كلّ تمييز يكون منصوبًا هذا الأصل, ويَرِد التمييز في العدد، لكن جرت عادة النحاة في المطولات أنهم لا يُدخلون العدد في باب التمييز الذي يُذكر فيه، وإنما يُشار إليه إشارة ويذكرون بابًا كاملًا يُسمّونه باب العدد, هذا يأتينا في الأخير إن شاء الله تعالى, وهنا يذكرون ما عدا العدد, مع كونه داخلًا فيه لأنه من رفعِ إبهامِ مفرد.
التمييز نوعان: رفع إبهامِ لمفرد ومنه العدد, (( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ ) ) [يوسف:4] أحد عشر ماذا؟ (( كَوْكَبًا ) ) [الأنعام:76] فالكوكبُ هذا تمييز رفعَ إبهام المفرد وهو أحد عشر, حينئذٍ نقولُ هو مميِّز, لكن لا تُذكر أحكامه هنا، إنما يذكر في بابه المستقل.
التمييزُ يقال: تمييز ومُميِّز, وتبيين ومُبيِّن, وتفسير ومفسِّر, هذه ألفاظٌ مترادفة, ولكن التمييزُ هذا مشهور عند البصريين, والتفسير والتبيين مشهور عند الكوفيين, ولذلك الكوفي إذا فَسَّر القرآن يقول هذا تفسير, هذا يكثر في بعض التفاسير، (تفسير) إذا ما تعرف المصطلح .. ما (تفسير) هذه؟ يقف ما نعرف تفسير, نقول تفسير المراد به التمييز, فمعرفةُ اصطلاح الكوفيين يُفيد في معرفة ما قد يحكم به بعض المعربين لبعض الآي بأنه كذا وأنت تحفظُ المصطلح الخاص بالبصريين، وقد لا تحيط علمًا بمصطلح الكوفيين فتقع في لبسٍ, حينئذٍ التمييز يُسمّى تفسيرًا وتبيينًا ويُسمى تمييزًا, والأصل فيه أنه مصدر ميَّزَ يميزُ تمييزًا لأن التفعيل يأتي من فعَّلَ، تقول: ميَّزتُ كذا عن كذا إذا خلصت أحدهما من الآخر, وكذا إذا كانا متشابهين ففرقتَ بينهما؛ فميزتَ هذا عن ذاك.