مما يقع نعت .. وهو النوع الرابع، قلنا: المشتق، والمؤول به، والجملة، بقي المصدر.
والمصدر في الأصل هو جامد، وإذا كان جامدًا فحينئذٍ الأصل أنه لا يصح أن ينعت به، كان حقه ألا ينعت به، فإذا قيل: هذا رجل عدل، عدل هذا مصدر، وهو نعت، ورجل هذا منعوت.
انظر في مدلول كل لفظ: رجل يدل على ذات، وعدل يدل على معنى.
إذًا لا يصح أن ينعت بالمعنى الذات، ولذلك اتفق الفريقان البصريون والكوفيون على التأويل، لا بد من التأويل؛ لأنه لا يمكن أن ينعت الذات بالمعنى؛ لأن المصدر دال على حدث، فلو بقي على ظاهره كنت قد وصفت الذات بالمعنى وهو لا يجوز، ومن أجل هذا التزم البصريون والكوفيون جميعًا تأويل العبارة للتخلص من هذا الظاهر، لا بد من الفرار منه إما بجعل اسم المعنى في تأويل المشتق، الذي هو عدل، نؤوله في تأويل المشتق عادلٌ، هذا رجل عادلٌ خرجنا من الإشكال، فعدل في قوة عادل، وهو مشتق، إذًا أولناه بمشتق. إما بجعل اسم المعنى في تأويل المشتق الدال على الذات، ومعنى قائم به أو واقع عليه، وإما بتقدير مضاف يدل على الذات وهو ذو التي بمعنى صاحب. هذان مشهوران: إما هذا رجل ذو عدل، ذو عدل: يعني صاحب عدل، رددناه إلى ذي .. كَذَا وَذِي، وإما أنه بمعنى عادل، فأولناه باسم الفاعل .. رددناه إلى اسم الفاعل، وكلاهما جائز، إلا أن مذهب البصريين أدق.
(وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا) نَعَتُوا: أي العرب، وصفوا منعوتًا، بمصدرٍ جار ومجرور متعلق بقوله: نَعَتُوا.
(كَثِيرًا) يعني وقع كثير كما وقع هناك في الحال: (وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ) ، كذلك هنا (كَثِيرًا) كثير المصدر يتصرفون فيه، على خلاف الأصل؛ لأن المصدر جامد لكنه إذا عرفنا التأويل السابق فهو شبيه بالمشتق.
(فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا) ولو كان المنعوت مثنى أو جمعًا، ولو كان مؤنثًا، فتقول: جاءت هندٌ عدلٌ، ما تقول: عادلةٌ ولا عدلةٌ، لماذا؟ لأنه مصدر.
وهذان الزيدان عدلٌ بالإفراد، وهؤلاء الزيدون عدلٌ بالإفراد، حينئذٍ التزموا فيه الإفراد ولو كان المنعوت مثنى أو جمعًا، والتذكير ولو كان المنعوت مؤنثًا.
(فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا) .. كَثِيرًا الألف الأولى بدل عن التنوين، وَالتَّذْكِيرَا الألف الثانية هذه للإطلاق.
(وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا) وذلك عند الكوفيين مؤول بالمشتق وعند البصريين على تقدير مضاف أي: ذو كذا، وبهذا التزم إفراده وتذكيره كما لو صرح بذو. يكثر استعمال المصدر نعتًا لكنه غير مطرد كَثِيرًا: يعني غير مطرد، لا يلزم من الكثرة أن يكون مطردًا قياسًا، قد يكون كثيرًا وهو شاذ عند النحاة.