نحو: مررت برجلٍ عدلٍ، وبرجلين عدلٍ، وبرجالٍ عدلٍ، وبامرأةٍ عدلٍ، وبامرأتين عدلٍ، وبنساء عدلٍ .. اللفظ واحد مطلقًا بقطع النظر عن المنعوت، ويلزم حينئذٍ الإفراد والتذكير، والسر في ذلك: أنهم نظروا إلى اللفظ، يعني لفظ المصدر، والمصدر من حيث هو لا يثنى ولا يجمع، ولم ينظروا إلى المعنى الذي يصح عليه الكلام، وهذا مما يرجح تقدير البصريين مضافًا محذوفًا؛ لأنهم لو نظروا إلى المعنى بكونه اسم فاعل أو مفعول لثنوه وجمعوه، يعني: العرب لما نعتوا به لم يراعوا فيه المعنى، بل راعوا فيه اللفظ، حينئذٍ إذا جئت تقدر إما أن تقدر باعتبار اللفظ وإما أن تقدر باعتبار المعنى، ما الدليل على أن العرب لم يراعوا فيه المعنى؟ التزام اللفظ من حيث هو مع المذكر والمثنى والجمع، فلما التزموا تذكيره وإفراده علمنا أنهم قصدوا اللفظ من حيث هو لفظ لا باعتبار المعنى، فإذا جئنا نؤوله نؤوله بما يكون مضافًا أولى من أن ننظر إلى المعنى، لأنهم تركوا؛ إذ لو نظروا للمعنى لقالوا: عادلًا، وعادلتينِ، وعُدّل، ونحو ذلك، لكنهم تركوا هذا فدل على أنهم نظروا إلى اللفظ.
وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا ... فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
قال: وهو مؤول -هنا قال-: ويلزم حينئذٍ الإفراد والتذكير والنعت به على خلاف الأصل؛ لأنه يدل على المعنى لا على صاحبه، وهو مؤول إما على وضع عدلٍ موضع عادل أو على حذف مضاف والأصل مررت برجلٍ ذي عدلٍ، وهذا أولى، ثم حذف ذي وأقيم عدل مقامه وإما على المبالغة بجعل العين نفس المعنى مجازًا أو ادعاء.
يعني: جاء زيدٌ عدلٌ هو العدل نفسه، مبالغة، لذلك عبر به، لكن هذا ليس بجيد.
قوله: (وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ) العرب لم ينعتوا بالمصدر إلا بشرط: أن يكون مصدرًا لفعل ثلاثي، أو بزنة مصدر الفعل الثلاثي، فالأول: كعدلٍ، ورضى، وزور، والثاني: كفطر اسم مصدر فعله أَفطَر، فِطْر هذا اسم مصدر؛ لأنه نقص حرف من الفعل الماضي، أفطَر فِطْر، أفطر مفطرٌ ولا تقل: فاطر، أفطر فهو مفطر.
وألا يكون هذا المصدر مصدرًا ميميًا كمضرب، ومنصب، إذًا يشترط فيه .. في هذا المصدر الذي يصح أن يقع نعتًا .. ليس مطلقًا، فإن أطلق الناظم هنا (بِمَصْدَرٍ) ليس كل مصدر، المصدر الرباعي، والخماسي، والسداسي لا، وإنما هو مصدر ثلاثي بشرط ألا يكون ميميًا فقط. إذًا: ليس كل مصدر.
وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ ... فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ لاَ إِذَا ائْتَلَفْ
هذا شروع منه في تعدد النعت، هل يجوز أن يتعدد النعت أولًا؟ نقول: نعم. يجوز أن يتعدد النعت كما جاز تعدد الخبر لأن محملهما واحد، كل منهما فيه معنى الإخبار، كل منهما وصف.
وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ ... فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ لاَ إِذَا ائْتَلَفْ
(غَيْرِ وَاحِدٍ) أراد به المثنى والجمع، هذا الظاهر من عبارة الناظم وجماهير النحاة على هذا، أن الحكم مخصوص بما إذا كان المنعوت مثنى أو مجموعًا.
(وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ) غير الواحد هو المثنى والجمع، وهذا تحته صورتان: