(مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) : هذه قاعدة عامة .. (اجعل ما للمنادى لمندوبٍ) ، (اجْعَلْ) هذا فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت، (مَا) اسم موصولٌ بمعنى الذي .. مفعول مُقدَّم .. مفعول أول لـ: (اجْعَلْ) ، و (لِلمُنَادَى) هذا مُتعلِّق بمحذوف صلة الموصول، (لِمَنْدُوبٍ) هذا المفعول الثاني.
(اجعل ما للمنادى لمندوبٍ) ما هو الذي للمنادى؟ فـ (مَا) واقعة على الأحكام، يعني: الأحكام التي تَعلَّقت بالمنادى اجعلها لمندوبٍ، اجعل ما .. (ما) واقعةٌ في الاسم الموصول بمعنى: الذي، مُبْهَم .. واقعة على أحكام المُنَادى.
إذًا: اجعل الأحكام الثابتة السابقة التي ثبتت للمُنَادى من حيث البناء، ومن حيث النصب، ومن حيث ما يصح نداؤه وما لا يصح، جميع الأحكام السابقة اجعله لمندوبٍ، فَيُضَمُّ في نحو: وازيد .. يُضَّم، وإذا جئت بالألف أبدلت الضَمَّة فتحة: وازَيْدَا، فتكون الضَمَّة مُقدَّرة، إذا حذفتها تقول: وازيدُ .. واعُمرُ، وإذا جئت بالألف وهي ليست لازمة إنما غالبة، حينئذٍ تقول: واعُمرَا .. وا زَيْدَا.
إذًا: يُضَّمُّ المندوب كما يُضَّمُّ المُنَادى، ويُنْصَب في نحو: وا أمير المؤمنين كما ينصب المندوب: يا أمير المؤمنين، ونَصْبُه واضح بَيِّن، ويُنصَب إذا قيل: واطالعًا جبلًا، كما تقول: يا طالعًا جبلًا، لكن قوله: (اجعل ما للمُنَادى لمندوبٍ) وفي السابق قال: (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادًى) هناك حَكَم على الاسم المُستَغَاث بأنه مُنَادى، وهنا قال: اجعل الأحكام التي للمُنَادى لمندوبٍ، أليس فيه إشارة بأن المندوب ليس مُنَادى؟ ألا يفهم من عبارته أن المندوب ليس مُنَادى؟ لأنه لم يَحكم أنه مُناَدى كما حكم في باب الاستغاثة؟ الاستغاثة عَيَّن .. جَزَم:
إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى خُفِضَا ... بِاللاَّمِ مَفْتُوحًَا كَيَا لَلْمُرْتَضَى
إذًا: حَكَم بكون الاسم المستغاث (مُنادى) .
وهنا غَايَر في العبارة، فقال: (اجْعَل مَا لِلمُنَادَى لِمَنْدُوبٍ) ، نقول: فيه إشارة إلى أنه - يعني: المندوب - في المعنى ليس بمُنَادى وهو كذلك، لأن المُنادى فيه إشارة إلى أنه في المعنى ليس بمُنَادى وهو كذلك، لماذا؟ لأن المُنَادى هو طلب إقبال، وهنا ليس فيه طَلَب إقبال، لأنه لم يَطْلَب إقباله.
وقيل: (منه) يعني: من المُنَادى.
وقيل: المندوب والمتعجب منه ليسا مناديين حقيقةً، وإنما هما مناديان مجازًا، إذًا: فيه خلاف: هل المندوب مُنَادى أو لا؟ لكن الظاهر أنه مُنَادى، ولذلك سبق عَدَّ حروف الندْبِ في أحرف النداء (وا) و (يا) إذا أُمِنَ اللبْس، ولذلك صَحَّ أن يُؤتى بـ (يا) وهي حرف نِداء قطعًا في الندْبَة، فَدَلَّ على أنه جزءٌ منه، إذ لو لم يكن كذلك حينئذٍ لما صَحَّ أن يؤتى بـ (يا) وهي الأصل في النداء بل هي أمُّ الباب: أن تستعمل في الندْبَة، وهذا فيه نوع طلب إقبال، إذا قيل: وارأساه، تنزيلًا للشيء المندوب مُنَزَّلة الشيء الذي يُخَاطب، ويُطْلَب إقباله أو دفعه ونحو ذلك.
إذًا: في قوله السابق في أول الباب .. باب المُنادى: عَدَّ (وا) لمن نُدب، و (يا) إذا أُمِنَ اللبْس، وعَدَّهما في باب المُنادى.