فهرس الكتاب

الصفحة 1993 من 2939

إذًا: لكونه في الظاهر ليس مندوبًا، عَامَله هنا مُعامَلة المقابلة، فقال: (اجْعَل مَا لِلمُنَادَى لِمَنْدُوبٍ) يعني: كأنه مُقابلٌ له، لكن في الحقيقة عند التأمل، قد يُقال: بأن المندوب مُنَادى، وإن كان فيه نوع بحثٍ.

(مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) إذًا حُكم المندوب كحُكم المُنَادى فيُضَمُّ في حالة الضَّم، وينصب كذلك في حالة النصب، وإذا اضْطُّرَ إلى تنوينه، إذا ضَمَّ (وازيدُ) جاز ضَمُّه ونصبه: وافقْعَسُ هذا الأصل، مثل: وازَيْدُ، إذا اضْطُّرَ إلى تنوينه جاز رفعه ونصبه، كما هو الشأن فيما سبق، كقول الشاعر:

وَافَقْعسٌ وَأَيْنَ مِنِّي فَقْعَسُ ..

(وافقعسًا) أصله (وافَقْعَسُ) فلما اضْطُّرَ إلى تنوينه حينئذٍ رَدَّه إلى أصله وهو النصب، ويجوز: وافقْعسٌ بالرفع.

إذًا: كل ما ثَبَت للمُنَادى من الأحكام يَثبُت للمندوب، لكن من حيث ما يصح ندائه وما لا يصح، وما يصح ندبه وما لا يصح، القاعدة هذه: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) تَدُل على أن كُلَّ ما نُودِي هناك يَصِح نَدْبُه هنا، ولكن هذا ليس على ظاهره، ولذلك استثنى الناظم بقوله:

.وَمَا ... نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبْهِمَا

وَيُنْدَبُ المَوْصُولُ بِالَّذِيْ اشْتَهَرْ ...

إذاًَ: ليس كل ما صَحَّ نِداؤه صَحَّ ندبه، بل هو خاصٌ بما سيذكره.

(وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) إذًا: بَعدمَا بَيَّن الحُكم نَبَّه على ما يمتنع الإتيان به في حالة الندب، قال: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَب) يعني: والذي نُكِّرَ .. (الذي) مبتدأ .. (ما) هنا، و (نُكِّر) فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، والضمير نائب الفاعل يعود على (ما) .

(لَمْ يُنْدَبْ) يعني: لا يجوز ندْبُه، إذًا: كل نكرة لا يجوز ندبها، سواءٌ كانت نكرة مقصودة أو لا، إذًا: خَالَف المندوب المُنَادى في كونه يَختص بالمعرفة، فالنكرة لا وجود لها في باب المندوب.

وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبهِمَا، هذا الثاني، يعني: ولا يُنْدَب ما .. (مَا) معطوفٌ على ما نُكِّرَ، (أُبهِمَا) من الإبهام، الألف للإطلاق: وهو فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، والمبهم المراد به هنا ثلاثة أشياء: اسم الإشارة، والضمير، والموصول بما لا يعيِّنه.

إذًا: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) المبهم وهو اسم الإشارة لا يَصِح نَدْبُه مطلقًا، فلا يقال: (واهذاه) على أنه مندوب، ولا: (واأنتاه) أنتَ أتى بألف الندْبَة، نقول: هذا لا يصح، ولا: (وامن ذهباه) الذي ذهب، من هو الذي ذهب؟ غير مُعيَّن، هذه صلة موصول (مَنْ) ، (مَنْ) سيأتي أنه يجوز نَدْبُها لكن بشرط: أن تكون الصِّلَة مشهورة .. مُتعيِّنة بذاتها، موضحة لـ (من) لأن (من) مبهم.

حينئذٍ إذًا كانت الصلة .. صلة الموصول واضحة بَيِّنة مُعيَّة جاز ندبها وإلا فلا، فيكون الأصل في الموصول: أنه لا يصح ندبه، لأنه مُبهَم هذا هو الأصل، ولو عُرِّف بالصلة، إلا إذا كانت الصلة مشهورة تغني عن المعرفة، يعني: في قوة المعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت