كذلك صِلَة: جاء الذي يقوم أبوه .. جاء القائم، وقع (القائم) هنا صِلَة، أو يكون جزءً مع غيره في الجملة الاسْميَّة: جاء الذي أبوه قائمٌ، (أبوه قائمٌ) نقول: هذا اسمٌ، وهو مركبٌ من اسمين، إذًا: جملة اسْميَّة، إذًا: وقع الفعل المضارع موقع الاسم: جاء القائم ونحوه.
وحالًا كذلك إذا قلت: جاء زيدٌ ضاحكًا، وجاء زيدٌ يضحك، إذًا: مواضع في المَحَال يرد الاسم ويرد فيها الفعل المضارع، إذًا: أشبه الفعل المضارع الاسم في وقوعه في مَحلٍّ من هذه المَحَال الأربعة.
الثاني: أن الفعل يحتاج إلى الإعراب لتمييز المعاني كالاسم، ولذلك سبق في أول باب المعرب والمبني، أنَّ الاسم إنَّما أُعرِب .. وإن كان لا يحتاج إلى تعليل، لأنَّه وافق الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، حِينئذٍ قيل: أنَّ الاسم إنَّمَا أُعرِب لتوارد المعاني عليه، قالوا: المعاني لا يُميِّزُها إلا الإعراب .. المعاني المختلفة لا تَتَميَّز إلا بالإعراب.
وذكرنا المثال المشهور عندهم، وهو: ما أحْسنُ زَيدٍ .. ما أحْسنَ زَيدًا .. ما أحْسنَ زَيدٌ، هذه الجملة واحدة وهي اسْميَّة، ومُحتمِلَة لِعدَّة معاني: ما أحْسنَ زَيدًا! هذا التَّعجُّب، ما أحْسنُ زَيدٍ؟ هذا الاستفهام، ما أحْسنَ زيدٌ هذا نَفيٌ، ما الذي مَيَّزَ الاستفهام عن النَّفِي عن التَّعجُّب؟ هو الحركات الإعرابية.
الفعل المضارع أشبه الاسم في هذين النوعين، قد تعتريه معاني مُختلفة لا يُمَيِّزها إلا الإعراب، والمثال المشهور: لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ اللبن، لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ وتَشْربِ وتَشْربُ، إذًا: يَحتمل عِدَّة معاني.
لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ، يعني: لا تأكل مع شربك، حِينئذٍ الواو هنا واو المَعيَّة، و (تَشْربَ) فعل مضارع منصوب بـ: (أنْ) مضمرة وجوبًا بعد الواو، وحِينئذٍ يكون النَّهي عن الجمع بينهما، وأمَّا عن الإفراد فأنت وشأنك.
لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربِ اللبن، كلٌ منهما منهي عنه سواءٌ كانا اجتمعا أو انفردا، فإذا قيل: تَشْربِ، حِينئذٍ صارت الواو عاطفة كأنَّه قال: ولا تَشْربِ اللبن، فهو معطوفٌ على سابقه، والمعطوف على المَجزُوم مجزوم.
لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربُ، بالرَّفْع هذا نَهيٌ عن الأول وإباحة الثاني، إذًا: هذه معاني مُختلفة: النَّهْي عنهما مَعًا .. النَّهْي عن كل واحدٍ منهما .. النهي عن الأول وإباحة الثاني، هذا معاني مُختلِفة الذي مَيَّزَها هو الإعراب، إذًا كما في قولك: ما أحْسنَ زَيدٌ .. ما أحْسنَ زيدًا .. ما أحْسنُ زيدٍ، كذلك تقول: لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربُ وتَشْربَ وتَشْربِ اللبن.
حِينئذٍ صار في الفعل ما هو في الاسم، لكن ثَمَّ فرقٌ بين هذين النوعين: أن الاسم لا يُميِّز هذه المعاني إلا الإعراب فقط، ولذلك جُعِل أصلًا فيه، لا يُميِّز هذه المعاني إلا الإعراب، لكن لك مَمدُوحة وهو أن تعدل عن الإعراب، وتأتي بالاسم الصَّرِيح: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولك شُربُ اللبن، جئت بالاسم الصريح، لا تحتاج (وتَشْربُ) .. لا يَتَعيَّن، وإنَّما تقول: ولك شُربُ اللبن.
لا تَأكُلِ السَّمَكَ وأنْ تَشْربَ اللبن .. ولك أن تَشربَ اللبن، فتأتي بـ: (أنْ) ، أو مع شرب اللبن، إذا أردنا المَعيَّة: لا تَأكُلِ السَّمَكَ مع شُربِ اللبن، حِينئذٍ جئت بالمَعيَّة، وكذلك إذا أردت النَّهي عن كُلِّ واحدٍ منهما: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولا .. تُصَرِّح بـ: (لا) النَّاهيَة في الثاني.
إذًا: يُمكن الاستغناء عن الإعراب بالتَّصرِيح بالاسم في المَعيَّة، فتقول: لا تَأكُل السَّمَكَ مع شُربِ اللبن، وفي النَّهْي عن كُلِّ واحدٍ منهما تُظهر (لا) في الموضعين: لا تَأكلِ السَّمَكَ ولا تَشربِ اللبن، وكذلك تأتي في المندوحة الثاني .. الإباحة: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولك شُربُ اللبن.
إذًا: بَيَّنَ غيرُ الإعراب المعاني، ولذلك جُعِلَ فرعًا فيه ولم يُجعَل أصلًا.