الثالث: أنَّ الفعل المضارع أشبه الاسم في الإبهام والتَّخصِيص، الاسم قد يكون مُبهَمًا فيحتاج إلى مُخَصِّصْ، إذا قيل: جَاء رَجلٌ، هذا مبهم، هل هو صالح .. هل هو طالح؟ حِينئذٍ إذا قلت: جاء رجلٌ صالحٌ، خَصَّصْتَه بالصِّفَة، كذلك تقول: جاء غلام زيدٍ خَصَّصْتَه بالإضافة، إذًا: هو مبهم فيحتاج إلى التخصيص ويقبل التَّخْصِيص، كذلك الفعل المضارع يكون مبهمًا ويحتاج إلى التخصيص، فتقول: زَيدٌ يُصلي، هذا يَحتمل أنَّه الآن وفي المستقبل، إذا قلت: زيدٌ سيصلي .. سوف يصلي .. لن يصلي، حِينئذٍ تَعيَّنَ أن يكون الفعل المضارع من حيث الزمن المراد به المستقبل.
إذًا: الفعل المضارع يَحتمل، ويَحتمل الاستقبال، ويحتاج إلى تخصيص وهذا إبهام، هذا على مذهب الجمهور، وإلا الصَّحِيح أنَّه لا يَحتمل إلا الحال فقط .. لا يُحمَل على الاستقبال إلا بقرينة، يعني: إذا أُطلق ينصرف إلى الحال .. إذا أُطلق عن قَيدٍ يَدلُّ على الاستقبال حملناه على الحال، وإذا قُيِّد حِينئذٍ بقيده، وهذا شأن المجاز فهو حقيقة في الحال مَجازٌ في المستقبل.
إذًا: أشبه الفعل المضارع الاسم في كونه يقبل الإبهام والتَّخْصِيص، كلٌ منهما يكون مُبْهَمًا فيُخَصَّص.
الرابع: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع كما تدخل على الاسم، وهذه اللام لا تدخل على الماضي كما سبق: لَضَرب .. لَرَضي، لا يصح، وإنَّما إذا دخلت عليه (قد) قَرَّبَته إلى المضارع فحِينئذٍ صَحَّ. على كُلٍّ: لا تدخل على فعل الأمر، ولا تدخل على الفعل الماضي، وإنَّما تَختصُّ بالفعل المضارع مباشرةَ: إن زيدًا ليضرب عمرًا، حِينئذٍ نقول: هذه اللام لام الابتداء، إن زيدًا لضاربٌ عمرًا، إذًا: دخلت لام الابتداء على الفعل المضارع.
ولن تدخل على الماضي ولا الأمر، ودخلت على المضارع وعلى اسم الفاعل، فَدلَّ على أنَّ كُلًا منهما بِمنْزِلة واحدة.
الخامس والأخير: جريان الفعل المضارع واسم الفاعل معًا في الحَرَكات والسَّكَنات وعدد الحروف، هذا سبق معنا مرارًا: يضرب .. ضارب، عدد الحروف هنا والحركات والسَّكَنَات مُتشابِهة، فالأول مُحرَّك في (يضرب) و (ضارب) ، والثاني ساكن في (يَضْـ) و (ضَاْ) ، والثالث مُتحَرِّك، والرابع على حسب حركة الإعراب، فلا مدخل له معنا.
حِينئذٍ نقول: المُراد هنا مُطلق الحركة، والمُراد به الوزن الأصلي لا الفرع، ليدخل معنا: (يقول) و (قائل) ، يقول (يَقُـ) الثاني مُتحرِّك، و (قائل) الثاني ساكن، إذًا: هل جرى المضارع على حركات وسكنات اسم الفاعل؟ نقول: نعم جرى، لأنَّ (يَقُوْل) فرع وليس بأصل، والأصل (يَقْوُلُ) القاف ساكنة، لأنَّه على وزن (يَفْعُل) إذًا: العين مُتحرِّكَة، استُثْقِلَت الضَّمَّة على الواو، فنقلت إلى ما قبلها: (يَقُوْ .. ) الواو ثقيلة لأنَّها عبارة عن ضَمَّتين، فإذا حُرِّكَت بالضَّمِّ، حِينئذٍ اجتمع ثِقَل على ثِقَل، فنقلت القاف إلى ما قبلها وهو القاف، وساكنة ولو كانت مُتحرِّكَة لأُزِيلَت، حِينئذٍ نقول: هذا إعلالٌ بالنَّقْل.
إذًا: لا يُعتَرض على جريان حركة المضارع مع اسم الفاعل في مثل (يَقُوْل) ، لأنَّ (يَقُوْل) القاف هذه في الأصل ساكنة، فهي موازِنة لـ: (ضارب) ، (يَبِيْعُ) كذلك، الأصل (يَبْيِعُ) .. (يَفْعِل) بَاعَ يَبِيْع هذا الأصل، حِينئذٍ (يَبْيِعُ) نقول: الأصل أنَّ الباء ساكنة، وهي مقابلة لـ: (بَائِع) .
إذًا: الفعل المضارع يجري في حركاته وسكناته، والمراد الحركات: مُطلق الحركة، لا عين الحركة: فتحة .. فتحة، ضمة .. ضمة لا، المُراد أنَّ الأول مُتحَرِّك سواء حُرِّكَ بِفتحٍ أو بِضمٍّ أو كَسرٍ، والأول الفاء مُتَحرِّك من اسم الفاعل مُطلقًا، فيُقَابِل حِينئذٍ الضَّم بالفَتْح، والفتح بالضَّم، والكسر بالفتح .. وهَلُمَّ جَرَّا.
إذًا: شابه الفعلُ المضارع الاسمَ في هذه الوجوه الخمسة، حِينئذٍ القاعدة السابقة التي معنا، وهي: أنَّه إذا أشبه الشيءُ الشيءَ أخذ حكمه، بشرط أن يكون وجه المشابهة بينهما قويًا، وحكمُ الاسم الإعراب فانتقل إلى الفعل، فلذلك أُعرِبَ الفعل المضارع، لماذا؟ لكونه أشبه الاسم في هذه الوجوه الخمسة، ما هو حكم الاسم؟ الإعراب، إذًا: يعطى الفعل المضارع الإعراب لكونه شابه الاسم، لأنَّ القاعدة: أنَّ الشيء إذا أشبه الشيء أخذ حكمه، وهذه قاعدة مُطَّرِدة عند العرب.