(وَاقْرُنْ) هذا فعل أمر مبنيٌ على السكون لا مَحلَّ له من الإعراب، والفاعل ضميرٌ مستتر (بِفَا) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (اقْرُنْ) .. (وَاقْرُنْ بِفَا) بفاءٍ قصره للضرورة، (حَتْمًا) يعني: وجوبًا، هذا نعت لمصدر محذوف تقديره: قرنًا حتمًا، (وَاقْرُنْ بِفَا حَتْمًا) قرنًا حتمًا، أو محتومًا إذا جعلناه حال، (حَتْمًا) يعني: وجوبًا.
(جَوَابًا) هذا مفعول لـ: (اقْرُنْ) ، (لَوْ جُعِلْ) هذا الجواب (شَرْطًا لإِنْ أَوْ غَيْرِهَا) من الأدوات (لَمْ يَنْجَعِلْ) .
ومتى؟ إذا كان واحدًا من هذه الأمور السِّتة التي منعنا أن تقع فعل الشَّرط، كلها الاسْميَّة والطَّلبيَّة والمقرون بـ: (لن، والسين، وسوف، وقد) كلها يمتنع أن تقع فعل الشرط، ويجوز أن تقع جواب الشَّرط، لكن بشرط اقترانها بالفاء.
(وَاقْرُنْ بِفَا) نقول: اعلم أنَّ الشَّرط لا يكون إلا فعلًا مضارعًا أو ماضيًا، وأمَّا الجواب فيكون مضارعًا وماضيًا كما تَقدَّم، ويكون غير ذلك فتلزمه الفاء وجوبًا، وخُصَّت الفاء بذلك لِمَا فيها من معنى السَّببيَّة، يعني: لماذا الفاء دون غيرها؟ سيأتي أنَّ (إذا) تخلفها في بعض المواضع، لِم خُصَّت الفاء بذلك؟ قالوا: لِمَا فيها من معنى السَّببيَّة والتعقيب، يعني: ما بعدها مُسبَّبٌ عمَّا قبلها، وكذلك يقع عقبه، هذا الأصل فيه، والجزاء مُتسبِّبٌ عن الشَّرط ومٌتعقِّبٌ عنه، وصرَّح في (المغني) بأن المَحلَّ لمجموع الفاء وما بعدها، يعني: إذا أردنا أن نُعرِب حِينئذٍ نقول: الفاء واقعة في جواب الشَّرط، الفاء وما بعدها مدخولها في مَحلِّ جزمٍ جواب الشَّرط.
وصَرَّح في (المغني) بأنَّ المَحلَّ لمجموع الفاء وما بعدها، مَحل الجزم على أنه جواب الشَّرط، ويستثنى ما إذا صُدِّر الجواب بهمزة الاستفهام - يعني: لا تدخل مباشرةً عليها - سواءٌ كانت جملة فعليَّة أو اسْميَّة فلا تدخل الفاء سابقةً على الهمزة، وإن دخلت مسبوقةً بهاء، كما في قوله: (( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ ) ) [الزمر:19] (أَفَأَنْتَ) الفاء هنا أين دخلت؟ أأنت .. أفأنت .. فأأنت هذا الأصل، أن تدخل الفاء على الهمزة لأنَّها هي الجملة المُصدَّرة بالهمزة .. الجملة الاسْميَّة، أأنْتَ هذا الأصل .. فأأنْتَ، لكن قلنا: أفأنْتَ، هنا لا تدخل الفاء على الهمزة، وإنما تُزَحْلق لِمَا بعدها، لأن همزة الاستفهام لها الصدارة وهي تفارق غيرها.
(( أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) ) [الزمر:19] إذًا: (أَفَأَنْتَ) دخلت الفاء هنا بعد الهمزة والأصل أنَّها تدخل على الجملة الاسْميَّة: فأأنْتَ، لكن هنا لا، يستثنى من ذلك الذي هو التَّصدُّر .. الجملة التي تقع جوابًا يستثنى همزة الاستفهام.
وخُصَّت الهمزة بعدم دخول الفاء عليها دون أخواتها كـ: (هل) و (من) لعراقتها وقوة صدارتها، فغير الهمزة يجوز دخول الفاء عليه لعدم عراقته، إذًا: إذا كانت الجملة الاسْميَّة مُصدَّرة بالهمزة لا تدخل الفاء على الهمزة، وإنَّما تكون الهمزة داخلةً على الفاء، وهذا واردٌ كثير في القرآن.