(وَاقْرُنْ بِفَا) إذًا: المراد بالفاء هنا فاء السَّبب، وتعيَّنت هنا للرَّبط لا للتَّشريك .. ليس المراد به العطف، وإنما للرَّبط يعني: خُلِّصَت للرَّبط، فليس عندنا عاطف ومعطوف كما قاله البعض هذا ليس بصحيح، بل الصواب إنما اختيرت الفاء لِمَا فيها من معنى السَّببيَّة والتعقيب وليس للتَّشريك.
(وَاقْرُنْ بِفَا حَتْمًا) يعني: قرن الفاء بِما لا يصلح جوابًا واجب، حِينئذٍ لا يَجوز إسقاطها لا في نثرٍ ولا في شعرٍ إلا في الضرورة، (جَوَابًا) هذا مفعول (اقْرُنْ) (لَوْ جُعِلْ شَرْطًا) الضمير هو المفعول الأول وهو عائدٌ على الجواب، لو جُعِل هذا الجواب (شَرْطًا) هذا مفعول ثاني لـ: (جُعِلْ) ، (لإِنْ) مُتعلِّق بقوله (جُعِلْ) (أَوْ غَيْرِهَا) من أدوات الشَّرط (لَمْ يَنْجَعِلْ) جَعَل يَنْجَعل، (يَنْجَعِلْ) يَتعدَّى إلى كم مفعول؟ اثنين، أين هما .. أين الأول وأين الثاني؟ لَم يَنْجَعِل جوابًا، (جَوَابًا) هو المفعول، و (يَنْجَعِلْ) هذه تَتعدَّى لواحد، لأنَّه مُطاوع (جعل) ، وسبق أنَّ المطاوع لِمَا يَتعدَّى لاثنين يَتعدَّى لواحد، وهنا (يَنْجَعِلْ) مُتعدٍّ لواحدٍ لأنَّه مُطاوع لـ: (جَعَل) .
إذًا: (يَنْجَعِلْ) مطاوع (جَعَل) فيَتعدَّى إلى واحدٍ، لأنَّ المطاوَع هو الذي جَعَل هنا، بِمعنى: صَيَّر، يَتعدَّى إلى اثنين، حِينئذٍ مطاوعه يَتعدَّى إلى واحدٍ، مفعوله محذوف: لَم يَنْجَعل جوابًا. مفعول (يَنْجَعِلْ) محذوف، أي: لم ينجعل جوابًا، فُهِم منه: أنَّه إذا صَحَّ جعله شرطًا لَم تدخل الفاء - هذا واضح على الأصل -، إذا صَحَّ جعله جوابًا لَم تدخل الفاء في الجواب: إنْ يقم زيدٌ قام عمروٌ، وذلك إذا كان صالحًا لأن يَنْجَعل جوابًا فيما إذا كان ماضيًا مُتصرِّفًا مُجرَّدًا من (قَدْ) وغيرها، أو مضارعًا مُجرَّدًا أو منفيًا بـ: (لا) أو (لم) هذا الذي يصلح أن يكون جوابًا دون فاء.
إن تَخلَّف واحد من هذه الأمور حِينئذٍ نقول: هذا الجواب غير صالحٍ لأنْ يَنْجَعِل جوابًا لـ: (إنْ) أو غيرها. فما لا يصلح كالجملة الاسْميَّة، أو الفعليَّة الطَّلبيَّة، أو فعلها غير مُتصرِّف أو مقرونٌ بـ: السين أو سوف أو قد، أو منفيَّةٌ بـ: (مَا) أو (إنْ) أو (لنْ) فإنَّ هذا كله لا يُصلح جعله شرطًا.
اسْميَّةُ طلبيَّةٌ وبجامدٍ ... وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ
فكل جوابٍ يَمتنع جعله شرطًا فإنَّ الفاء تجب فيه، مثال الاسْميَّة قوله تعالى: (( وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) [الأنعام:17] (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ) ، (إِنْ) حرف شرط، و (يَمْسَسْكَ) فعل الشَّرط وهو فعل مضارع، (هُوَ) مبتدأ (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مُتعلِّق بـ: (قَدِيرٌ) و (قَدِيرٌ) خبر.
إذًا: جاء الجواب هنا جملة اسْميَّة لا يصح أن يقع جوابًا للشَّرط، فتعيَّن قرنه بالفاء، فتقول: الفاء واقعة في جواب الشَّرط، والجملة في مَحلِّ جزم جواب الشَّرط، وعلى رأي ابن هشام: الفاء وما دخلت عليه في مَحلِّ جزم جواب الشَّرط.