ومَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا: (فَا الْجَزَا) كلاهما مقصوران للضرورة، مع تلو فاء الجزاء، بمعنى: أنه إذا وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء جاز فيها الوجهان، وهل هو كل فاء جزاء ولو كانت في جواب اسم شرط أو حرف شرط؟ الجواب: لا، ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما كان الشرط اسمًا، وأما إذا كان حرفًا فلا، يتعين فيه الكسر.
جواز الوجهين بعد فاء الجزاء مقيد بما إذا كان الشرط بالاسم، وأما إذا كان بالحرف فليس إلا الكسر، نحو: (( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [التغابن:14] .
فَإِنَّ: نقول: وقعت بعد فاء الجزاء، هل يجوز فيه الوجهان؟ لا؛ لأنها وقعت بعد شرط وهو حرف (إنَّ) ، وأما إذا وقعت بعد اسم شرط حينئذٍ يجوز فيها الوجهان، نحو: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني، من: اسم شرط، يأتني: فعلها، فإنه مكرم: وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء، وحينئذٍ نقول: يجوز فيه وجهان؛ على الكسر -إذا كسرنا- جعلناه جملة؛ فإنه مكرم، إذًا جعلنا جملة الجواب جملة ولا إشكال فيه واضح بين، كأنه قال: فهو مكرم، وأكدنا الخبر من أجل تقوية النسبة -للتأكيد-، وإذا فتحنا: من يأتني فأنه مكرم؛ إذًا صار مفردًا، وإذا صار مفردًا حينئذٍ لا يصح أن يقع جملة جواب الشرط، لا يصلح أن يقع جواب الشرط، كأنه قال: من يأتني فالإكرام، فالإكرام: هذا مفرد، ولا يصح أن يقع جوابًا للشرط.
إذًا: لا بد من خبر محذوف، ويجعل الملفوظ مبتدأ، أو بالعكس نجعل الموجود مبتدأ والخبر محذوف، أو بالعكس.
إذًا: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني فإكرامه موجود، جعلناه مبتدأً حذف خبره. من يأتني فجزاؤه الإكرام، جعلناه خبر مبتدئٍ محذوف، إذًا: يجوز الوجهان فيما إذا وقعت (إنَّ) بعد فالجزاء بشرط: أن يكون اسم الشرط هو الذي وقعت الجملة في جوابه. فيجوز الكسر على جعلها جواب الشرط، ويجوز الفتح .. ثم تؤول بمصدر، فإما أن يكون المصدر خبرًا لمبتدئٍ محذوف، وإما أن يكون مبتدأً خبره محذوف كما ذكره في الحاشية.
منه: (( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [الأنعام:54] فَإِنََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قرئ بالوجهين.
فَإِنََّهُ بالكسر، يعني: فهو غفور رحيم، لا إشكال فيه، وإنما جيء بـ (إنَّ) من أجل التأكيد، وعلى الفتح: فأنه غفور رحيم، فأنه فالغفران كائن له، أو فجزاؤه الغفران، فإما أن يكون خبر مبتدئٍ محذوف، أو يكون مبتدأً لخبر محذوف.
فالكسر على جعلها جملةً جوابًا لـ (من) ، والفتح على جعل (أن) وصلتها مصدرًا مبتدأً خبره محذوف: فالغفران جزاؤه، أو على جعلها خبرًا لمبتدئٍ محذوف والتقدير: فجزاؤه الغفران، هذا التقدير أجود.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا وَذَا يَطَّرِدُ ... فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ
هذا الموضع الرابع الذي يجوز فيه الوجهان.
وَذَا: المشار إليه الحكم وهو جواز الوجهين: الفتح والكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: مطرد، يعني يوجد كلما وجد المذكور، الشروط المذكورة.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني الوجهان، جواز الوجهين.