من أحكام هذه الأفعال -أفعال القلوب -قلنا ثلاثة: الإعمال، والتعليق، والإلغاء. والمراد بالتعليق: إبطال العمل لفظًا لا محلًا، قلنا: هي تنصب، والأصل في الإعمال أن يكون ملفوظًا به، التعليق: إبطال عملها، لكن لا مطلقًا، وإنما إبطال عملها في اللفظ فحسب، وأما في المحل فهي عاملة فيها؛ لأن الشيء قد يكون في اللفظ له اعتبار وفي المحل له اعتبار آخر كما ذكرناه في باب (لا) النافية للجنس، لا رجل باعتبار اللفظ مبني وباعتبار المحل منصوب، وحينئذٍ هنا التعليق نقول: إبطال العمل لفظًا لا محلًا وحينئذٍ في المحل لها تأثير، وفي اللفظ ليس لها تأثير، وأما الإلغاء فهو كاسمه: إبطال العمل مطلقًا لا لفظًا ولا محلًا، كأن العامل غير موجود، كأنه لم يدخل على الجملة أصلًا.
مثال التعليق كأن تقول: ظننت لزيد قائم، ظننت: فعل وفاعل، و (ظن) الأصل أنها تعمل، تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبه على أنه مفعول أول ومفعول ثاني، الأصل: ظننتُ زيدًا قائمًا، علق الفعل بمعنى: أنه أبطل عمله في اللفظ بإدخال نوع من المعلقات، فقيل: ظننتُ لزيد قائم، لزيد اللام هذه لام الابتداء دخلت بعد الفعل، دخلت على المبتدأ، وهي لها صدارة الكلام، فيمتنع أن يكون ما قبلها معمول لما بعدها والعكس، فحينئذٍ أبطل فعل ظن في لفظ زيد وقائم، فرجع على أصله: ظننت لزيد قائم، زيد كان منصوبًا، لماذا رفع؟ وقائمًا كان منصوبًا لماذا رفع؟ نقول: أبطل يعني: أحيل بين العامل من أن يؤثر في اللفظ، فرجع إلى أصله فقيل: لزيد قائم، زيد: مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وقائم: خبر المبتدأ مرفوع به.
وما تأثير العامل؟ وُجِّه العامل من التأثير في اللفظ إلى التأثير في المحل، ولذلك نقول: الجملة من المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي ظن، إذًا: اعتبر أو لا؟ اعتبر، يظهر هذا الأثر لو قلت: ظننت لزيد قائم وعمْرًا منطلقًا، من أين جاء النصب؟ باعتبار المحل، هذا يسمى تعليقًا، ظننت لزيد قائم وعمْرًا منطلقًا، نقول: باعتبار اللفظ هو معلق، وباعتبار المحل هو؟؟؟ ولذلك سمي تعليقًا، لماذا؟ قال: لأنه عامل لا عامل، قالوا: كالمرأة المعلقة لا مزوجة ولا مطلقة، هذا مثلها، تشبيه هم نصوا على هذا، المرأة المعلقة لا مزوجة ولا مطلقة، قالوا: هذا لا عامل ولا ليس بعامل؛ لأن له جهتين، هذا معنى التعليق.
وأما الإلغاء فالمراد به: أن يبطل عملها أصالة، يعني: لا ترفع، لا تنصب لا في اللفظ ولا في المحل، وهذا له حالان فقط: وهما إذا توسط الفعل أو تأخر، لأن الأحوال ثلاثة: ظننت زيدًا قائمًا، زيدًا ظننت قائمًا، زيدًا قائمًا ظننت، هذه ثلاث صور.
الأول:- الإعمال- هذا واجب، ظننت زيدًا قائمًا، وزيدًا ظننت قائمًا يجوز الوجهان والإعمال أرجح، زيدًا قائمًا ظننت؛ يجوز الإعمال والإهمال أرجح.
إذًا: إذا قيل: زيد ظننت قائم على الإهمال حينئذٍ زيد: مبتدأ، وقائم: خبر، وظننت: الجملة فعل وفاعل لا محل لها من الإعراب، معترضة، هل لها تأثير في المحل في اللفظ؟ لا، ليس لها شيء, وجودها وعدمها سواء، حينئذٍ هذا يسمى إلغاءً، إبطال العمل في اللفظ والمحل.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!