يدعو غيره إليها، ويحضّ سِوَاهُ عَلَيْهَا [1] ، إِذِ التَّأَسِّي فِي الْأَفْعَالِ وَالْمَذَاهِبِ موضوع طلبه في الجِبِلَّة [2] [3] ، وبسببه تقع من الْمُخَالِفِ الْمُخَالَفَةُ، وَتَحْصُلُ مِنَ الْمُوَافِقِ الْمُؤَالَفَةُ، وَمِنْهُ تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين [4] .
وكان [5] الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِهِ وجِدَّته [6] (مُقَاوِمًا بَلْ) [7] ظَاهِرًا، وأهله غالبين [8] ، وَسَوَادُهُمْ أَعْظَمُ الْأَسْوِدَةِ، فَخَلَا مِنْ وَصْفِ الْغُرْبَةِ بِكَثْرَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ النَّاصِرِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ ـ مِمَّنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهُمْ، أَوْ سَلَكَهُ وَلَكِنَّهُ ابْتَدَعَ فِيهِ ـ صولةٌ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا، وَلَا قُوَّةٌ يضعف دونها حزب الله المفلحون، فسار [9] عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَجَرَى عَلَى اجْتِمَاعٍ وَاتِّسَاقٍ، فَالشَّاذُّ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ، إِلَى أَنْ أَخَذَ اجْتِمَاعُهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَوْعُودِ، وَقُوَّتُهُ إِلَى الضَّعْفِ الْمُنْتَظَرِ، وَالشَّاذُّ عَنْهُ تَقْوَى صَوْلَتُهُ، وَيَكْثُرُ سَوَادُهُ.
وَاقْتَضَى [10] سِرُّ التَّأَسِّي الْمُطَالَبَةَ بِالْمُوَافَقَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَالِبَ أَغْلَبُ، فَتَكَالَبَتْ عَلَى سَوَادِ السُّنَّةِ الْبِدَعُ وَالْأَهْوَاءُ [11] ، فَتَفَرَّقَ أَكْثَرُهُمْ شِيَعًا.
وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ: أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ فِي جَنْبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ قَلِيلٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ *} [12] ، وقوله:
(1) في (خ) :"ويحض سؤاله بل سواه عليها"، وناسخ (خ) يفعل هذا إذا أخطأ حيث يضرب عن الخطأ بقوله بل، ثم يأتي بالصواب.
(2) الجبلة: الخلقة، ومنه قوله تعالى: {وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ} ، والجمع الجبلات. الصحاح للجوهري (4/ 1651) .
(3) كتب في (خ) بعد كلمة الجبلة كلمة غير واضحة، ولعلها"بداهة".
(4) في (ر) :"بين المختلفين".
(5) في (ط) :"كان".
(6) قال في الصحاح: جد الشيء يجد بالكسرة جدة: صار جديدًا، وهو نقيض الخلق الصحاح (2/ 454) .
(7) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (خ) ومثبت في هامشها.
(8) هكذا في (م) و (خ) و (ت) ، وفي (ط) :"غالبون"، على أنها خبر"وأهله"، والذي يظهر أن قوله غالبين صحيح أيضًا، على تقدير"وكان أهله غالبين".
(9) في (خ) و (م) و (ط) :"فصار".
(10) في (ر) :"فاقتضى".
(11) في (م) :"البدع الأهواء"بدون واو، وفي (غ) :"سباع الأهوى".
(12) سورة يوسف، آية (103) .