الباب الثالث
فِي أَنَّ ذَمَّ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ عَامٌّ لَا يَخُصُّ مُحْدَثَةً [1] دُونَ غَيْرِهَا وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الترجمة (النظر في) [2] جُمْلَةٌ مِنْ شُبَهِ الْمُبْتَدِعَةِ [3] الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا.
فَاعْلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ حُجَّةٌ فِي عُمُومِ الذَّمِّ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا جَاءَتْ مُطْلَقَةً عَامَّةً عَلَى كَثْرَتِهَا. لَمْ يَقَعْ فِيهَا اسْتِثْنَاءٌ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَأْتِ فيها شيء [4] مما يَقْتَضِي أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ هُدًى، وَلَا جَاءَ فِيهَا: كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ إِلَّا كَذَا وَكَذَا، وَلَا شَيْءَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَلَوْ كَانَ هُنَالِكَ [5] مُحْدَثَةٌ يَقْتَضِي النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ فِيهَا الِاسْتِحْسَانَ، أَوْ أَنَّهَا لَاحِقَةٌ بِالْمَشْرُوعَاتِ، لَذُكِرَ ذَلِكَ فِي آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، لَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ بِأَسْرِهَا عَلَى حَقِيقَةِ ظَاهِرِهَا [6] مِنَ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّفُ عن مقتضاها فرد من الأفراد.
والثاني: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الْعِلْمِيَّةِ أَنَّ كُلَّ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، أَوْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ كُلِّيٍّ إذا تكررت في مواضع كَثِيرَةٍ، وَأُتِيَ بِهَا شَوَاهِدُ عَلَى مَعَانٍ أُصُولِيَّةٍ أَوْ فُرُوعِيَّةٍ، وَلَمْ [7] يَقْتَرِنْ بِهَا تَقْيِيدٌ وَلَا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقريرها [8] ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهَا مِنَ الْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [9] ، {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *} [10] وما أشبه ذلك،
(1) في (خ) :"محدث".
(2) ساقط من جميع النسخ عدا (غ) .
(3) في (ت) :"المعتزلة".
(4) ساقطة من (خ) و (ط) .
(5) في (ت) :"هناك".
(6) في (ت) :"ظواهرها".
(7) في (ر) :"لم".
(8) هكذا في (ر) وفي بقية النسخ:"تقررها".
(9) سورة فاطر: آية (18) .
(10) سورة النجم: آية (39) .