فَمِنْ [1] هَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَ الْعَمَلُ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ بِدْعَةً، وَهُوَ إِطْلَاقٌ أَخَصُّ [2] مِنْهُ فِي اللُّغَةِ حَسْبَمَا يُذْكَرُ بِحَوْلِ الله.
فنقول [3] : ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَقْوَالِهِمْ ثَلَاثَةٌ: حُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى الْأَمْرِ، كَانَ لِلْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ [4] ، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ، كَانَ لِلْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ.
فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَقْوَالُهُمْ لَا تَعْدُو هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ: مَطْلُوبٌ فِعْلُهُ، وَمَطْلُوبٌ تَرْكُهُ، وَمَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ.
وَالْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ لَمْ يُطْلَبْ تَرْكُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ مخالفًا للقسمين الآخرين [5] ، لَكِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ، وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة، مع تجرّد [6] النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنْ كَانَ محرمًا سمّى فعله [7] مَعْصِيَةً وَإِثْمًا وَسُمِّيَ [8] فَاعِلُهُ عَاصِيًا وَآثِمًا، وَإِلَّا لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ حَسْبَمَا هُوَ مبيَّن فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ [9] . وَلَا يُسَمَّى بِحَسَبِ الْفِعْلِ جَائِزًا وَلَا مُبَاحًا، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالنَّهْيِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ [10] .
وَالثَّانِي: أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ، وَيُنْهَى عَنْهُ لكونه مخالفة تضاهي [11] التَّشْرِيعِ، مِنْ جِهَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ، وَتَعْيِينِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَالْتِزَامِ الْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، أَوِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، مَعَ الدَّوَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ وَالْبِدْعَةُ، ويسمّى فاعله مبتدعًا.
(1) ساقطة من (ر) .
(2) في (ت) :"أخصر".
(3) ساقط من جميع النسخ عدا (غ) ، وفي (ت) :"فصل"، والصواب المثبت.
(4) في (ت) :"للندب".
(5) في (خ) و (ط) :"الأخيرين".
(6) في (ط) :"مجرد".
(7) في (خ) و (ط) :"فعلا".
(8) في (ر) :"سمي".
(9) يريد والله أعلم المكروه، لأنه منهي عنه، لكنه ليس كالمحرم، فلا يسمّى فاعل المكروه عاصيًا ولا آثمًا، ولا يسمى فعله معصية وإثمًا.
(10) في (م) :"متنافين".
(11) هكذا في (غ) و (ر) وهو الأصوب، وفي بقية النسخ:"لظاهر".