فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 1328

ذَلِكَ مَرَّةً أُخرى لَمْ تَصْحَبْنِي. فَكَانَ إِذا سَمِعَ شَيْئًا يَتَغَيَّرُ، وَيَضْبِطُ نَفْسَهُ حَتَّى كَانَ يقطر كلّ شعرة من بدنه بِقَطْرةٍ [1] ، فَيَوْمًا مِنَ الأَيام صَاحَ صَيْحَةً تَلِفَتْ نَفْسُهُ [2] .

فَهَذَا الشَّابُّ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ مِصْدَاقُ مَا قَالَهُ السَّلَفُ؛ لأَنه لَوْ كَانَتْ صَيْحَتُهُ الأُولى غَلَبَةً [3] لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ، وإِن كَانَ بِشِدَّةٍ، كَمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْم [4] ، وَعَلَيْهِ أَدّبه الشَّيْخُ [5] حِينَ أَنكر عليه وأوعده [6] بالفُرْقَةِ، إِذْ فَهِمَ مِنْهُ أَن تِلْكَ الزَّعْقَةَ مِنْ بَقَايَا رُعُونَةِ النَّفْسِ، فَلَمَّا خَرَجَ الأَمر عَنْ كَسْبِهِ [7] ـ بِدَلِيلِ مَوْتِهِ ـ، كَانَتْ صَيْحَتُهُ عَفْوًا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهَا إِن شاءَ اللَّهُ.

بِخِلَافِ هؤلاءِ الْقَوْمِ [8] الَّذِينَ لَمْ يشُمُّوا مِنْ أَوصاف الفضلاءِ رائحة، فأَخذوا في التشبُّه [9] بهم، فأَبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، وياليتهم وقفوا عند هذا الحدّ المذموم، ولكنهم [10] زادوا على ذلك الرَّقْص والزَّفَن [11] وَالدَّوَرَانَ وَالضَّرْبَ عَلَى الصُّدُورِ، وَبَعْضُهُمْ يَضْرِبُ عَلَى رأْسه، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِنَ الْعَمَلِ الْمُضْحِكِ للحمقى، لكونه من أَعمال الصبيان

(1) في (خ) :"حَتَّى كَانَ يَقْطُرُ الْعَرَقُ مِنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ من بدنه قطرة".

(2) أخرج هذه الحكاية القشيري في"الرسالة" (ص204) عن شيخه أبي حاتم السجستاني؛ قال: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت عبد الواحد بن علوان يقول: كان شاب يصحب الجنيد ... ، فذكرها.

وذكرها أيضًا الغزالي في"الإحياء" (2/ 302) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في"الاستقامة" (1/ 399) .

(3) في (خ) :"غلبته".

(4) في (خ) و (م) :"خيثم".

(5) كتب في (خ) بخط دقيق فوق كلمة"الشيخ": (أي الجنيد) .

(6) في (خ) و (م) :"ووعده".

(7) في (غ) و (ر) :"على كسبه".

(8) في (ر) و (غ) :"الفقراء".

(9) في (خ) و (م) :"بالتشبه".

(10) في (خ) :"ولكن".

(11) الزّفَن: هو الرقص، وأصله: اللعب والدفع والضرب بالرجل. انظر:"لسان العرب" (13/ 197) ، و"التعاريف"للمناوي (ص386 ـ 387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت