فالشاهد من ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه نَسَب اللعن ابتداء إلى الله ، ثم لما رُوجِع قال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فابتداء التشريع من الله ، وقد يُنسب إلى مَن جاء به .
أو يُنسب إلى أول من عمِل به .
كما يُقال: فعل الأمير كذا .
وقد لا يكون للأمير إلا إصدار الأمر .
وهذا جائز في اللغة ، ولذا جاءت اللغة العربية بالتوكيد والمؤكِّدات .
فإذا قلت: جاء الأمير فيُحتمل أنك تريد رسوله أو أمره أو بعض حاشيته ، ونحو ذلك .
لكنك عندما تقول: جاء الأمير بنفسه ، فقد أكّدت قولك بأنك لا تعني سواه .
فعلى هذا لا يكون هناك إشكال في إضافة تحريم مكة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه أول من جاء به وعمِل به .
ولا إشكال في إضافته لله لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أمَرَ به وشَرَعه .
كما تقول: ناقة الله ، وتقول: ناقة قوم صالح .
قال ابن عطية في تفسيره: ولا تعارُض بين الحديثين ، لأن الأول إخبار بسابِق علم الله فيها وقضائه وكون الْحُرْمَة مُدة آدم وأوقات عمارة القُطر بإيمان .
والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور .
وكل مقال من هذين الإخْبَارَين حسن في مقامه . عَظَّم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى ، وذَكَر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالًا لنفسه ، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قِبَلِ الله تعالى ومْنْ نافِذ قضائه وسابِق علمه . اهـ .
وقول ابن عطية"بعد الدثور"أي بعد الاندثار .
وقال القرطبي في تفسير سورة البقرة: اخْتَلَف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم ، أو كانت قبله كذلك ؟
على قولين: