ثالثها: الأناة، وكل واحد له ارتباط مع بقية الثلاثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) والمقصود بالأناة: التريث، والأمور إذا كانت في العبادة التي فرضها الله فلا حاجة للتريث فيها، يقول الله جل وعلا على لسان الكليم موسى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84] ، لكن في مجمل الأمور وفي عمومها يحتاج الإنسان إلى أناة وتريث؛ حتى يكون قراره صحيحًا قريبًا من جادة الصواب.
فهذه الأمور إذا اجتمعت في رجل فإنه يعلم في أي سياق هو، ولا يستطيع أحد أن يستفزه، فإذا وجدت هذه الثلاثة في شخصية رجل أو امرأة سواءً كان عالمًا أو سياسيًا أو تاجرًا أو طالبًا فإنه بهذه الطرائق الثلاثة يصل إلى الحكمة.
فـ مالك مثلًا أدرك نافعًا مولى ابن عمر، وكان في نافع رحمه الله حدة، وقد أخذ بسبب مجاورته وخدمته لـ ابن عمر علمًا جمًا؛ لأن ابن عمر أخذ العلم الجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاجة الناس إلى المقاربة من نافع كانت قوية لكن ليس كل أحد أعطي حكمة في قضية استخراج علم نافع المكنون؛ لأن نافعًا كانت به حدة، فـ مالك رحمة الله تعالى عليه أعطي حكمة في استخراج علم نافع، فكان يسوس نافعًا باللين ويتحمله ويستمع لقوله، وإذا أغلظ عليه نافع تقبلها مالك، حتى استطاع مالك أن يجمع علمًا جمًا عن نافع، وتصدر وجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ويقول: حدثني نافع عن ابن عمر فنقل بذلك علمًا جمًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان علم مالك بهذه الطريقة وبهذه السلسلة الذهبية كما يسميها بعض المحدثين، وذلك أن مالكًا عرف بعلمه وحلمه وأناته كيف يصل إلى ذلك المكنون من العلم الذي كان في جعبة نافع رحمة الله تعالى عليه، وهذا من طرائق الحكمة.
الملقي: قبل أن نخرج من هذه الأركان، نستقبل بعض الاتصالات.