فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 327

الثاني: معرفة الاختلاف البشري، فنحن ندرك أن الناس لن يكونوا على سجية واحدة، ونحن لا نريد أن ننطلق من نظريات غربية أو أقوال أدباء أو مؤرخين أو غير ذلك، فنحن كما مثلنا في الأول بالسنة فنمثل هنا بالسنة، فنبينا صلى الله عليه وسلم كفانا مؤنة كل شيء بفضل الله.

والنماذج البشرية تختلف، فقد كان هناك عبد اسمه مغيث متزوجًا جارية اسمها بريرة، فكان بمقدار ما يحب مغيثًا بريرة بمقدار ما بريرة تكرهه، فكاتبت سيدها فكاتبوها عملًا بالآية، فلما كاتبوها نالت حريتها، والمرأة إذا نالت حريتها حق لها إن كان زوجها رقيقًا عبدًا أن تطلب منه الطلاق.

والمكاتبة أن العبد أو الأمة يدفع مالًا على هيئة أقساط منجمًا لسيده، فيتفقان مثلًا على عشرة آلاف ريال، فيدفع كل شهر ألفًا، فيتعب في الفترة هذه ويجمع المال إما من الناس، أو يأخذ من الصدقات، أو يعمل بزيادة، فخلال عشره أشهر مثلًا يبقى عبدًا حتى يكمل تلك المكاتبة.

فـ بريرة اتفقت معهم على مبلغ، واستعانت بـ عائشة فأعطتها المبلغ؛ حتى يكون الولاء لها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق) ، فنالت حريتها، ولما نالت حريتها حق لها شرعًا الانفصال فاختارت الانفصال، فأخذ مغيث يتبعها، يقول ابن عباس كما في البخاري: كأني أراه يطوف وراءها وهو يبكي ودموعه على لحيته وهي لا تريده.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس، والنبي سيد الحكماء، ويعرف معنى اختلاف النماذج البشرية، فقال: يا عباس: (ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغض بريرة مغيثًا) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم:(ألا تراجعيه؟ قالت: يا رسول الله! هل هذا أمر؟ قال: إنما أنا شافع.

قالت: لا حاجة لي به).

والنموذج أنه يوجد رجال لو أن ابنهم أبغضهم تبرءوا منه، ويوجد أبناء لو أن أباهم أبغضهم تبرءوا من أبيهم، بل يوجد كما يقول أظنه أبو الإصبع العدواني: لو أن يمينه نازعته لقطعها، فهو لا يقبل أن أحدًا يبغضه.

فأنا أقصد أن هناك تفاوتًا بين الناس، فإذا كنت تعرف أن هناك اختلافًا بين البشر تقبلت ما يصنعه البشر، فالحكيم ينظر للناس كما هم عليه لا كما يريد، أو كشخصيته هو.

والنبي صلى الله عليه وسلم يعرف ذلك ولهذا جعل ذلك عنوانًا للعجب، وقال لعمه: ألا تعجب، فهذا أمر يدعو إلى العجب رجل يحب امرأة ويكاد يموت ولهًا بها وهي تبغضه، فسبحان الذي جعل في قلب مغيث تلك المحبة لـ بريرة، وجعل في قلب بريرة ذلك البغض لـ مغيث.

لكنني كرجل ناظر للأحداث من حولي لابد أن أعرف أن الناس يختلفون، ثم إذا وجد هذا في مجتمع الصحابة فما بالك بالمجتمعات الأخرى.

إذًا ينجم عن هذا كذلك زيادة فضل في العلم بالناس أنه توجد بعض المشاكل على الحكيم أن يفقه أنها ليس لها حل، فالناس عندما تغيب عنهم الحكمة يغرقون في الجزيئات، فأحيانًا تأتينا اتصالات تنص عن شيء معين فأخبره بعجزي عن حل القضية، فيقول: لا، لا تقل: ليس لها حل، ويريدنا ليل نهار نمسي ونصبح في قضية جزئية، فثمة قضايا تتكفل بها الأيام ولا نستطيع أن نفعل لها شيئًا، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حاول أن يتشفع فلم تقبل بريرة شفاعته، فما الحل إذًا؟ هل نجبرها على ذلك؟ لا، وإنما انفصال انفصال، وعلى مغيث أن يصبر، وهي بالنسبة له مشكلة فعليه أن يبحث لها عن حل، لكن منتهى الأمر أن يتشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذًا فثمة أشياء نتركها للأيام وللسنون وللنسيان ولا نغرق فيها إغراقًا يشغلنا عن غيرها.

ثم أحيانًا أنت كحكيم قد تبتلى بأناس فيهم عيوب لا يمكن نزعها، فمن الخطأ جدًا أن أشغل نفسي فيها، فقد يوجد بعض الدعاة يشغل نفسه بشاب في الحي ليس عنده قضية إلا أن يهتدي هذا الشاب، فالليل والنهار وهو يحاول معه ويقول: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا) ، الله يقول: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى:9] ، فترى في الحي عشرات الشباب غيره، وفي الأمة قضايا كثيرة غير هذه القضية، فلا تجعل نفسك في قضية واحدة ليل ونهار وكأنها هي قضيتك.

وأنا الآن سأخرج إلى باب الأدب، فقد ذكروا أن هارون الرشيد كان له عم كان أثير عنده واسمه العباس بن محمد، وكان يجله هارون، وهارون على اسمه رشيد، وكان هارون يغدق العطايا على العباس بن محمد الذي هو خاله، فسبب كونه يغدق عليه العطايا أصبح رجلًا ذا مال، فجاء أحد الشعراء واسمه ربيعة الرقي وهو من الرقة منطقة أظنها في العراق، فالشاهد أنه كتب فيه أبياتًا خالدة في المدح، قال في آخرها: كأن المكارم لم تزل معقولة حتى حللت براحتيك عقالها فالمقصود أن الأبيات في ذروة المدح، فبعث مع رسول في ذلك الزمن الذي تكثر فيه العطايا بعث بدينارين، فهذه قصيدة من درر القصائد في مدحه يكافئ عليها بدينارين! والآن يستحي الإنسان أن يعطي العامل دينارين، فأعطاه إياها.

فلما جاء الرسول وهو يحمل دينارين للشاعر جُن، فهو يعرف قيمة الأدب وقيمة الشعر، فكتب عليها في الخلف أبياتًا يذم فيها العباس، ويتبرأ من ذلك المدح، ويقول: إنها كذب وافتراء، وأنه لا يستحق ذلك المدح، وأعطى الغلام الدينارين فأوصلهما إليه، فلما وصلت الأبيات التي هجا فيها ربيعة عم هارون الرشيد غضب واشتكاه إلى هارون.

فـ هارون أتى بالشاعر وقال له: هذا عم وتعرف أنه أثير عندي ومنزلته عالية فلم تهجوه؟ قال: يا أمير المؤمنين لقد مدحته بأبيات ما مدح أحد بها، فأصر هارون على أن يسمعها فأسمعها هارون، فلما سمعها هارون تعجب مما فيها من علو كعب في المدح.

فقال: سله يا أمير المؤمنين! كم كافئني عليها؟ فأخذ العباس يحاول أن يضيع القضية ولا يجيب.

فاستحلفه هارون، فحلف بأنهما ديناران، فكاد هارون أن يجن، ثم قال لعمه: واحد من ثلاثة الذي جعلك تهدي على هذه القصيدة دينارين: إما أتيت من قبل مالك، وإما أتيت من قبل أصلك، وإما أتيت من قبل نفسك، فأما من قبل مالك فليس لك عذر؛ فعندك مال، فلست عاجزًا أن تعطيه، وأما من قبل أصلك فأنت من آل البيت، وأصلك لا يدانيه شيء، فما بقي إلا نفسك، فأنت نفسك وضيعة.

فقال له: أما إذا كانت القضية من نفسك فهذه ما فيها حل، فتغير هارون عليه وأصبح لا يقربه، وأعطى الشاعر.

موضوع الشاهد: أنك قد تبتلى أحيانًا بأناس في هذا المجتمع فماذا تفعل بهم؟ لا يكون ذلك همك ليل نهار، فمن الحكمة أن تتجنبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت